وصايا التأهيل الحديثي الشامل: حفظ البصر من النظر الحرام

٥ محرم ١٤٤٨ هـ 6 دقائق تزكية النفس

يتناول هذا المقال أهمية حفظ البصر كجزء من التأهيل الحديثي والتربوي لطالب العلم، مستعرضاً خطورة إطلاق البصر في الحرام وفتنة النساء، ومبيناً الوسائل العملية لصيانة البصر من خلال الإخلاص، ومراقبة الله، والدعاء، والمداومة على الطاعات، بالإضافة إلى التذكير بمسؤولية البصر وشهادته على صاحبه يوم القيامة.

من أوائل ما يراعاه طالب العلم أن يحفظ بصره ، فكلُّ نعمةٍ من النّعم علينا أنْ نرعى حقَّ الله فيها ، وأنْ نحفظ الأمانة التي استرعانا الله إيّاها ، ونعمةُ البصر من جلائل النّعم ، ومن دلائل قدرته ، قال تعالى : أَلَمۡ نَجۡعَل لَّهُۥ عَيۡنَيۡنِ (سورة البلد: 8) وربنا قد أكرمنا بنعمة البصر تفضُّلاً منه وإحساناً وقد أوجب علينا حفظه ، وصيانته مما لا يحل . وأداءُ شكر هذه النعمة من فضائل الأعمال كما أنَّ كفر هذه النعمة منوخائم الأعمال . إذن نحن مأمورون بحفظ البصر عمّا لا يحل كما أنّه شاهدٌ لنا أو علينا يوم القيامة ، وعلينا أنْ ننتبه إلى ما يلي :

أولاً : مسؤولية شكر نعمة البصر والحذر من كفرها

فالعينان نعمة عظيمة وسلامتهما وعملهما من جلائل النعم ، وإطلاق البصر تضييع للأمانة وجحود ونكران لهذه الأمانة ، وقد جاء التحذير من ذلك عموماً ، قال تعالى : أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ كُفۡرٗا وَأَحَلُّواْ قَوۡمَهُمۡ دَارَ ٱلۡبَوَارِ (سورة ابراهيم: 28) والمؤمن كما أنَّه مطالب بحفظ بصره فهو مطالب أنْ يرعى بصيرته ويغذّيها بالعلم النافع ، لتحيا القلوب الحياة الأبدية بالسعادة السرمدية كما قال تعالى : وَكَذَٰلِكَ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ رُوحٗا مِّنۡ أَمۡرِنَاۚ مَا كُنتَ تَدۡرِي مَا ٱلۡكِتَٰبُ وَلَا ٱلۡإِيمَٰنُ وَلَٰكِن جَعَلۡنَٰهُ نُورٗا نَّهۡدِي بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنۡ عِبَادِنَاۚ وَإِنَّكَ لَتَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ (سورة الشورى: 52) وكذلك نحن مطالبون بحفظ البصر وسلامته من خلال حفظ العين من الإصابة بما يجلب لها الضرر .

إذن من الوسائل المهمة أنْ يحفظ الإنسان بصره من التلصص بالنظر إلى الحرام أو العب منه، فالنظر الحرام بداية المحرمات ، وبابٌ قد يُفضي إلى الفواحش ، ومدخل إلى الرذيلة فالذي يغض بصره يتجنب الضرر ، والذي لا يبالي يقع في حبائل الشيطان ، روى البخاري في صحيحه (5096) عن النبي قال : مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ .

إذن فتنُ الحياة كثيرة ومتتابعة ، ومن كبريات هذه الفتن فتنة النساء ؛ إذ إنَّ خطرهنَّ على الرجال أعظم من خطر المال وغيره ؛ لما جبل الله الرجال عليه من الميل إليهنَّ والرغبة فيهنَّ كما في قوله تعالى : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلۡبَنِينَ وَٱلۡقَنَٰطِيرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلۡفِضَّةِ وَٱلۡخَيۡلِ ٱلۡمُسَوَّمَةِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ وَٱلۡحَرۡثِۗ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلۡمَـَٔابِ (سورة آل عمران: 14) فقدّم شهوة النساء على جميع الشهوات ، لذا ينبغي على المؤمن أنْ يلتجئ إلى الله ويعتصم به ؛ ليخلّصه ويعصمه من هذه الفتن .

وفتنةُ النساء تكمن ؛ إذ لا أحدَ أقدرُّ على فتنة الرجل وإغوائه مِنَ المرأة السوء لقوة تأثيرها عليه عاطفياً . والنساء مأمورات بغض البصر عمّا لا يحل لهنَّ ، قال تعالى : وَقُل لِّلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَغۡضُضۡنَ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِنَّ وَيَحۡفَظۡنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنۡهَاۖ وَلۡيَضۡرِبۡنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّۖ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوۡ ءَابَآئِهِنَّ أَوۡ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآئِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ أَخَوَٰتِهِنَّ أَوۡ نِسَآئِهِنَّ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُنَّ أَوِ ٱلتَّٰبِعِينَ غَيۡرِ أُوْلِي ٱلۡإِرۡبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفۡلِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يَظۡهَرُواْ عَلَىٰ عَوۡرَٰتِ ٱلنِّسَآءِۖ وَلَا يَضۡرِبۡنَ بِأَرۡجُلِهِنَّ لِيُعۡلَمَ مَا يُخۡفِينَ مِن زِينَتِهِنَّۚ وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ (سورة النور: 31) وليحذر كل أحد من إطلاق النظر إلى ما لا يحل ؛ لأنَّ مَنْ تساهل بإطلاق بصره اعتاد وأدمن وطالت حسراته وكثرت آهاته ، ثمَّ يضعف في سيره إلى طريق الخير والآخرة ، وليعلم كل أحد أنَّ علامة السيئة السيئة بعدها .

ثانياً : صيانة البصر عمّا لا يحل

على العبد المكلّف صيانة بصره ، وأنْ يُروضَّ نفسه على عدم النظر إلى الحرام ، ومما يعين على مجاهدة النفس في ذلك ما يلي :

  • الإخلاص لله تعالى في ترك هذا المُحرم ، فتارك الحرام يؤجر على تركه على عدد ما يتوفر له ، فالنيّةُ والعزم الداخلي على حفظ هذه الجارحة التي هي مدخلٌ إلى القلب بابٌ من أعظم أبواب الحسنات .
  • مراقبة الله واستحضار وجوده دواماً فإنَّ الله رقيبٌ علينا مطلعٌ على أعمالنا ، قال تعالى : يَوۡمَ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوٓاْۚ أَحۡصَىٰهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ (سورة المجادلة: 6) .
  • كثرةُ الدعاء وإخلاص اللجأ إلى الله والتضرُّع إليه بما يحفظ علينا أبصارنا وجوارحنا فمن دعا الله مخلصاً أكرمه الله في الدنيا والآخرة قال تعالى : وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِي سَيَدۡخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (سورة غافر: 60)
  • مجاهدة النفس على الطاعات وإشغال النفس بالسنن والآداب النبوية فهو الرباط كما قال النبيُّ : أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ: إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عِلى ‌الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ.

إذ إنَّ العبادات تسد مداخل الشيطان فهي بمثابة حصون يتحصن بها العبد أمام سيل الشهوات والمعاصي ؛ وتأمل الحديث : إِذَا تَوَضَّأَ ‌الْعَبْدُ ‌الْمُسْلِمُ أَوِ الْمُؤْمِنُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ، خَرَجَتْ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ، خَرَجَتْ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ. فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلَاهُ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ. حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ . فالعبد حينما يدرك أنَّ الحسنات يُذهبنَّ السيئاتِ فهو سيبادر إلى الحسنات ؛ ليستكثر منها ، ويضيّق على نفسه مسائل الحرام .

  • تجنب الاستسلام لمثلث الفساد ( الخطوط الأثيرية ، والشبكات العنكبوتية ، والقنوات الفضائية ) فعلينا أنْ نتقي الله في أنفسنا بأنْ نحفظها من المحرّم من ذلك ، وأنْ نتقي الله في أهلينا وأبنائنا ، ولنعلم أننا مسؤولون عن أنفسنا وعنهم ، قال تعالى يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُ عَلَيۡهَا مَلَٰٓئِكَةٌ غِلَاظٞ شِدَادٞ لَّا يَعۡصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ (سورة التحريم: 6)

ثالثاً : شهادة البصر

فإنَّ من ما يشهد على الإنسان يوم القيامة بصره وجوارحه ، فالبصر سوف يشهد على كل شيءٍ استعمله صاحبه في الخير أم الشر قال تعالى : بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (سورة القيامة: 14) قال الطبري في تفسيره : (( إنَّ جوارح الإنسان كلها من سمع وبصر وأيدي وأرجل ، وكل الأركان تشهد بما فعل من خير وشر )) . وربنا جل جلاله يعلم ذلك قال تعالى : يَعۡلَمُ خَآئِنَةَ ٱلۡأَعۡيُنِ وَمَا تُخۡفِي ٱلصُّدُورُ (سورة غافر: 19) ولكنَّ الله من رحمته وعدله أنْ يقيم على الإنسان شهوداً من نفسه ، ولذلك فإنَّ الجميع سيقول يوم القيامة : الحمد لله رب العالمين كما قال تعالى : وَتَرَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ حَآفِّينَ مِنۡ حَوۡلِ ٱلۡعَرۡشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡۚ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡحَقِّۚ وَقِيلَ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ (سورة الزمر: 75) وفي صحيح مسلم (2969) في الحديث الطويل : فَيُخْتَمُ ‌عَلَى ‌فِيهِ، فَيُقَالُ لِأَرْكَانِهِ : انْطِقِي. قَالَ : فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ. قَالَ : ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ. قَالَ : فَيَقُولُ : بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ .

وكل واحد منا يحفظ قوله تعالى : وَلَا تَقۡفُ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡـُٔولٗا (سورة الإسراء: 36) والمعنى : أنَّ حواس الإنسان تُسأل : يُسأل السمع على حدة على ما سمع ، ويُسأل البصر على حدة عما أبصر ، ويُسأل القلب عما عزم ؛ إذن المسؤولية والشهادة ثابتة في جميع الأركان ؛ فعلى العبد أنْ يكثّر شهوده بالخير ، وأنْ يبتعد عن كل ما لا ينفعه .

وهذه الآية الكريمة مما ينبغي على الإنسان أنْ يعاود قراءتها لعظيم شأنها فقوله : إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ ‌عَنۡهُ ‌مَسۡـُٔولا أي : إنَّ سَمع الإنسان وبصره وقلبه جميع هذه الأعضاء العظيمة العالية المنافع البديعة التكوين سوف يسألُ الله عنها الإنسان يومَ القيامة فيم استعملها ؟! وتُسأل هي عمّا عمل فيها صاحبها ، فتشهد عليه بما سمع ونظر وعقد واعتقد ، ولذا قال ربنا : ‌وَلَتُسۡـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ فليحذر المكلف النظر إلى ما لا يحل والاستماع إلى ما يحرم وإرادة ما لا يجوز .