التفريط في الأعمال الصالحة
تأليف ماهر ياسين الفحل
﷽ الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . وأشهد أن لا إله إلا ﷲ وأشهد أنَّ محمداً رسول ﷲ صلى ﷲ عليه وعلى اله وسلم تسليماً كثيراً، ثم أمَّا بعد: يقول ابن القيم ( رحمه ﷲ تعالى ) لما تحدث في الفوائد على أنَّ الإنسان يجب أن تكون له همة عالية ويجب عليه اغتنام الفرص وأن يغتنم الخير ، وقد قال أحد التابعين وهو خالد بن معدان ( رحمه ﷲ تعالى ) كما روى أبو نعيم في الحلية يقول روى ( رحمه ﷲ تعالى ): ( إذا فُتِح لأحدكم بابُ خير فليسارع إليه فإنَّه لا يدري متى يُغلق عنه). وهكذا نحن في هذه الحياة الدنيا نعيش بفضل من ﷲ ورحمته ، وكل لحظة تمر علينا فهي من فضل ﷲ قال تعالى : ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِين﴾ وفي هاتين الآييتين بأنُ أنَّ الحياة الدنيا رحمةٌ بالمؤمنين يتزودون بها من فعل الصالحات فعليهم أنْ يتوكلوا على ربهم ذي الرحمة الواسعة ؛ فالتوكل على ﷲ بعمل الصالحات وعدم التفريط ثمرة من ثمرات الإيمان . والناظر في حقيقة حياة الإنسان في هذه الدنيا يجد أنَّهاشبه شيءٍ بالمسافر المنطلق إلى ربه ﷻ ,وهذا المسافر أيام عمره هي مراحل سفره , وهذا السفر لابُدَّ أنْ تعتريه الكثير من المشقات ، والكثير من المصاعب والكثير من الآفات والعوائق التي تعوق الإنسان دون الوصول إلى لله ﷻ ، وكما قيل : إنَّ في ملازمة التقوى مرارات من فقد الأغراض والمشتهيات إلا أنَّ العاقبة حميدة , وإنْ أردنا بعد التأمل في هذه العوائق فإننا نستطيع أن نقسمها إلى نوعين من العوائق التي تعترض الإنسان المسلم عند سيره إلى ﷲ ﷻ.
- النوع الأول منها: عوائق ومصدات خارجية .
- وأمَّا النوع الثاني: عوائق داخلية .
فأما العوائق الخارجية: فهي التي تحصل نتيجة عيش الإنسان في هذا المجتمع الذي فيه الكثير من المفاسد ، وفيه الكثير من البعد عن ﷲ سبحانه وتعالى فإذا خالط الإنسان هذا المجتمع يجد الكثير من المصاعب التي تحول دون انطلاقه الانطلاق القوي أثناء سيره في طريقه إلى ﷲ ﷻ من المشاكل التي تحصل مع أهله ، ومع مجتمعه بسبب الكثير من المفاسد وغير ذلك من الأمور , هذا النوع الأول من العوائق ، وليس حديثنا عنه ، علماً أنَّ القرآن والسنة قد بينا لنا السلامة في التعامل مع الخلق . قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة رحمه ﷲ:
والسعادةُ في معاملة الخلق أن تعاملَهم لله ، فترجو اللهَ فيهم ولا ترجوهم في الله، وتخافه فيهم ، ولا تخافهم في الله ، وتحسن إليهم رجاءَ ثواب الله ، لا لمكافأتهم ، وتكف عن ظلمهم خوفاً من الله لا منهم
كما جاء في الأثر: ( ارجُ اللهَ في الناس ، ولا تَرْجُ الناسَ في الله ، وخَفِ اللهَ في الناس ، ولا تخف الناسَ في الله ) أي: لا تفعل شيئاً من أنواع العبادات والقُرَب لأجلهم ، لا رجاءَ مدحهم، ولا خوفاً من ذمِّهم، بل ارجُ الله ولا تخفهم في الله فيما تأتي وما تَذَر، بل افعل ما أُمِرْتَ به وإن كرهوه.
والنوع الثاني : وهو النوع الخطير وهو العوائق الداخلية التي تحصل من الإنسان نفسه , في نفس كل مسلم منا عوائق , وهذه العوائق كذلك نستطيع أنْ نقسمها إلى نوعين خطيرين كل نوع منها أخطر من النوع الأخر :
النوع الأول : نستطيع أنْ نشبهه بـــ((مرض السرطان))الذي يصيب الإنسان نسأل الله ﷻ أن يعيذنا والمسلمين منه ومن غيره من البلاءات , ووجه تشبيه التفريط بهذا المرض يأتي ويصيب الإنسان في داخله ولا نجد صاحب هذا المرض إلا بعد مدة طويلة وقد سقط صريعاً , مات أو شارف على الموت والهلاك , لكنْ لما تتأمله تجد أنَّ جسده سليم ولا تجد فيه شيء يدل على أنَّه مرض , بينما المرض ينخر جسده من الداخل , نعم المرض ينخر جسده من الداخل حتى تأتي اللحظة التي يأذن الله فيها بهلاك هذا الإنسان وموته فيسقط صريعاً , وكثيراً من الناس الذين يصيبهم هذا المرض , لايكتشفون هذا المرض إلا بعد مرور زمن طويل بعد أنْ يتمكن التمكن القوي من هذا الجسد. ومن الأمراض التي تصيب الإنسان وهي أشبه بهذا السرطان , هي أمراض من أمراض القلوب مثل : الكبر والعجب والغرور والرياء وغيرها من الأمراض الداخلية التي تتمكن من قلب الإنسان ويزداد تمكنها منه يوماً بعد يوم حتى يسقط صريعاً بها إنْ لم يتداركه الله ﷻ برحمة منه ، وإخوةِ خيرٍ ينصحونه ويبينون له هذا الهلاك الذي يوشك أنْ يقع فيه.
النوع الثاني: وهو مرض كذلك يكون داخلياً ويفتك بجسد الإنسان بالتدريج وتمر الأيام ، والأيام على قلب هذا الإنسان ، وهذا المرض يتمكن منه يوماً بعد يوم , وكل يوم يمر نجد تمكن هذا المرض فيه أشد من الأيام السابقة بكثير بكثير جداً , يعني كل يوم يمر تتأخر صحة هذا الإنسان بدرجات كبيرة عن اليوم الذي قبله ، وهو أشبه بمرض نقص المناعة المكتسب , لأنَّه ليس جراثيم أوأشياء تصيب الإنسان فتفتك به, وإنما هو يفقد مناعته ، وهذا المرض هو أساس كل الأمراض التي تصيب الإنسان المسلم, وأساسها هو التفريط في الأعمالالصالحة , فالتفريط في الأعمال الصالحة مرض يصيب الإنسان المسلم بالتدريج ويتناقص تدريجياً , وليست هنالك آفة تمكنت من جسده ظاهرة ولكنه يقصر تدريجياً تدريجياً ، وكلما ازداد التقصير تأتيه الآفات وتضعف مناعته ضد الآفات الخارجية وضد العوائق الخارجية التي يمر بها في أثناء سيره إلى الله ﷻ.
فنحن نتكلم عن هذا المرض الخطير, ألا وهو التفريط في الأعمالالصالحة :
- ما هي أسباب هذا المرض؟
- وما هي مظاهره ؟
- وما هي آثاره؟
- وكيف يعالجه الإنسان؟
وفي التدرج في شرح ذلك يسهل علينا الوصول إلى العلاج . ما يتعلق بهذا التقصير, وما هو المعنى الذي نقصده. تقصير الإنسان المسلم في أعماله الصالحة، ينقسم هذا المرض في الحقيقة إلى ثلاثة أنواع:
النوع الأول: أن يكون الإنسان منَّا مقصراً في الأعمال الصالحة أوأن يكون قدأكرمه الله تعالى بالإقبال على الأعمالالصالحة ثم يحصل منه التراخي التدريجي والمستمر, ويشعر بهذا التراخي ويشعر بهذا التأخر, هذا النوع الأول وهو أخفها وهو كما تشاهدون مرض عظيم جداً, لكنهأخفها, أن يصاب الإنسان بهذا المرض وهو شاعر به ، يشعر به, ولذلك يحاول أن يعالجه وتجده نادماً ويتذكر دائماً كيف أنَّ في الأيام الماضية أو في السنين الماضية كان يكثر من العبادات ويكثر من الطاعات وكان يبكر إلى الصلاة بينما في هذه الأيام صار يتأخر في الذهاب إلىالمسجد وصار كذا وكذا, فهو يشعر دائماً بالندم لكن يحتاج أن يتأمل كثيراً في نفسه حتى يعرف من أينأتاه هذا المرض وكيف دخل إلى قلبه حتى يستطيع أن يخرجه ويستخرج المادة الفاسدة, هذا هو القسم الأول من أقسام هذا المرض.
النوع الثاني: وهو قسم آخر هو أن لا يعترف الإنسان بهذا المرض, حيث يكون مصاباً بهذا المرض من حيث لا يشعر, وطبعاً لعدم شعوره أسباب منها: تزيين الوسط الذي هو يعيش فيه, ومنها تأخر هذا الوسط, يعنيأن يكون التأخر كلياً لكل هذا الوسط الذي يعيش فيه ومنها المقارنة, يقارنالإنسان نفسه دائماً بأناس هم على شر ,فيقول دائماً الحمد لله أنا أفضل منهم الحمد لله أناأفضلمنهم, حتى يهلك وهو يقول الحمد أناأفضلمنهم. هذا النوع الثاني وهو أخطر من النوع الأول وهو أن لا يشعر الإنسان بهذا المرض وهو يصيبه ويدب في أنحاء جسده.
والنوع الثالث: هو ظن بلوغ الكمال, أن يظن الإنسان نفسه غير محتاجٍإلىتربية, أن يظن نفسه غير محتاجإلىتزكية, وهو في نفس الوقت يتراجع, تجده مثلاً ينشغل عن تذكير نفسه, تجده ينشغل عن أداء السنن الرواتب, ربما ينشغل عن صلاة الوتر ,ربما يقصر في الاستيقاظ في صلاة الفجر ويعتذر لنفسه دائماً بأنني مشغول, وأنني مشغول بأمور دينية , بأمربمعروف أو نهي عن منكر, منشغل في السهر مع الناس ربما ليعظهم, ليسمعهم في السهر وكذا وكذا من الأعذار غير الأعذار الكثيرة جداً التي يسهل على الشيطان أن يقنع الإنسان المصاب بهذا المرض بها.
إذاً هذا النوع هو أخطرها وهو ظن بلوغ الكمال, والإنسان في نفس الوقت يتراجع، هذا مرض عظيم إذاأصابالإنسان ,قلَّما ينجو منه ألاأن نمسكه وأن نهزه هزاً عنيفاً وأن نذكره بالله ﷻ.
حتى لا نطيل ،ننتقل مباشرة للكلام على مظاهر هذا المرض،يعني لنعتبرهذا المرض مثل الأمراضالمحسوسة التي نعالجها في المستشفيات, فلذلك نريد أن ننظر إليها: أولاً : ما هي أعراض هذا المرض؟ ثانياً: ما هي الأسباب التي أدتإلى أن يصاب الإنسان بهذا المرض؟ ثالثاً: آثار هذا المرض. رابعاً: العلاج وهو أهمأمر من هذه الأمور.
نمر سريعاً على مظاهر أوعلى شيء من مظاهر هذا المرض يعني أعرض هذا المرض: فمنها إهمالالإنسان لنفسه من دون تزكية ولا يهتم بهذا الأمر,يعني الإنسان يكون منشغل,تمر عليه الأيام والليالي ويـــــاحســــــــرة الأيام تمضي سـبـهــلــلـــا!!!. ولا يشعر الإنسان بأنَّه يحتاج إلى تزكية وأنَّه يحتاج إلىأن يجلس بين يوم وآخر يقرأ من كتاب الله ﷻ وأن يكون له الورد اليومي, وأن يكون له الورد اليومي كذلك من صلاة الليل, وأقل الأحوالأن يصلي الوتر, وأن يكون محافظاً على السنن الرواتب, ويجعلها دأباً له ويجعلها في نفسه تماماً مثل الواجبات، نحن تجب علينا الفروض الخمس لكن نضيف إليها واجباًآخر, وهو هذه السنن الرواتب وصلاة الوتر. فإذاً من ظواهر هذا المرض,إهمالالإنسان لنفسه من دون تزكية,وما ينتبه لهذا الأمر,تجده مستمراً ، منشغلاً مع مرور الأيام والليالي ولم يتوقف لحظة من اللحظات,لينظر ما هو الزاد اليومي الذي يتزود به هذا الإنسان في أثناء سيره إلى الله ﷻ ؟
من مظاهره كذلك عدم الوقوف بقوة أمام مغريات الحياة, نحن كما تعرفون نعيش في حياة كل شيء فيها يشدكإلىأسفل, وأنت تريد أن تسمو بروحك وأن ترفرف بأجنحتك وصولاًإلى الملكوت الأعلى كما يعبرون. فالإنسانإذا بدأ هذا المرض يدب فيه تجده لا يستطيع أن يقف بقوة شديدة ,ربما في أولالأمريقف,لكن ليست القوة المعتادة التي كان يواجه بها هذه الدنيا ومغرياتها,ثم بعد ذلك تقل وتضعف قبضته ويتراخى تدريجياًقليلاً فقليلاً,حتى ينتقل إلى الدخول في أطراف من هذه المغريات,ولا أقول يدخل في المغريات، وإنما يدخل في أطرافها ويعتذر لنفسه,والعذر دائماً موجود في كل مكان,يعنيالإنسان يمكنهأن يقع في أي معصية من المعاصي ويعتذر لنفسه,وأسهلالأشياءهي أن يعتذر الإنسان لنفسه بأي عذر من الأعذار.
من مظاهرها كذلك عدم رعاية الآداب والمستحبات التي سنها النبي ﷺ,تجدالإنسانيبدأ يفرط فيها. مرة من المرات كان أحد الإخوة يشتكي من مثل هذا المرض,وكان فعلاً يواجه صعوبة ومشقة ولا يستطيع ربما أن يحافظ على صلاة الوتر,لا يستطيع أن يبكر لصلاة الفجر فيصلي السنة الراتبة,ودائماً يشتكي من نفسه أنَّهدائماً يصلي السنة الراتبة للفجر بعد صلاة الفجر,ويقول لا أتذكر أني قد صليتها قبل الصلاة مرة من المرات ,فسألته سؤال قلت :ما مدى محافظتك على الأذكار؟ وهي الأذكار المتعلقة بالمناسبات,وهي إذا دخلت السيارة وإذا مشت السيارة,وإذا دخلت من المسجد وإذا خرجت من المسجد,وعند لبسك الثوب الجديد,وبعد الأكل وقبله,وعندالنوم,قال : لا اذكر إني داومت عليها في يوم واحد,السبب هو منشغل عنها كثيراً.
الإنسان كما يقولون له حصون,الإنسان المسلم له حصون والشيطان لا يمكنه أن يصل إلى قلبه ألا بعد أن يجتاز هذه الحصون, وأول هذه الحصون التي تواجه الشيطان أمام قلب الإنسان المسلم هي الآداب والمستحبات فإذا تمكن منها وتجاوز هذا الحصن,انتقلإلى مرحلة الرواتب ثم بعد ذلك إلى مرحلة الفروض,فيجتـــــاز هذا الحصن ويكسره وهكذا حتى يصل إلىالقلب,فأول حصن يواجه الشيطان في قلب الإنسان هو حصن الآداب والمستحبات كما ذكر صاحب غذاء الألباب(رحمه الله تعالى).
إذاً هذه نقطة مهمةوبداية مظاهر المرض هي التفريط في الآداب والمستحبات التي هي من سنن النبي ﷺ، لسنا ملزمين بها وليست واجبة علينا لكن هي في الحقيقة معيار مهم للمستوى الإيماني لقلب كل إنسانمنا,فمنأرادأن ينظر أوأن يبحث عن ميزان وعن مستوى يقيس به إيمانه فلينظر إلى مستوى رعايته لهذه الآداب وهذه المستحبات الصغيرة والسهلة والميسرة,مثلاً من خلال معايشته ومعاشرته مع إخوانه هل اللهجة والأدب الذي تتحدث فيه بمجالس إخوانك هل هي مثل اللهجة والأدب التي تراعيها في مجالس عامة الناس,لابُدَّأن يكون هناك فرق. كثير من الألفاظ يجب أن ينزه الإنسان نفسه عنها, هي ليست محرمة لكن من الأدبأن يراعي الإنسان مثل هذه الأمور مع إخوانه.
مظهر آخر من المظاهرترك العمل والطاعة ألا فيما يوافق هوى الإنسان,أن يترك الإنسانالأعمال الصالحة إلا فيما يوافق هواه,نحننتكلم كذلك عن المستحبات ولا يمكن أن يترك الفرائض,فتجده مفرطاً في هذه الآداب وهذه المستحبات إلاإذا وافقت هواه وكانت سهلة عليه عملها,أماإذا كانت على قلبه ونفسه مشقة شديدة فأنَّه لا يعملها.
ومنها كذلكالنقص الشديد في شعوره بالمحبة في الله ونظرته لإخوانه,هذا مقياس مهم نبهنا عليه النبي ﷺ,وهو البعد عن الصالحين وشعورك بالأخوة نحو إخوانك في الله ﷻ,وما مدى شعورك نحوالإخوة الصالحين. يقول النبي ﷺ:((ماتآخى اثنان في الله تعالى فيفرق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما))(1) إذاً ضعف شعورك بالأخوة والمحبة في الله نحو إخوانك الصالحين والتناقص والتراجع في هذا الشعور بسبب الذنوب التي يعملهاالإنسان في حياته.
من مظاهر هذا المرض كذلك,شعور الإنسان بالثقل والمشقة الشديدة عند قيامه بالطاعات,هذا الشعور الذي ما كان موجوداً عنده من قبل,يومإن كان مقدماً وسائراً بقوة وبعزم في طريقه إلى الله ﷻ ، كانأولاً يحب الطاعات ويقدم عيها,لكن فجأة تجده بدأ يتراجع ,وبدأ يشعر بالمشقة,وبدأ يشعر بالثقل,هو يجاهد نفسه ويعمل لكن أقول هذا الشعور بالثقل يعني أنَّ هناك تغيراًقد حصل في القلب,وأنَّ هذه الطاعات قد ثقلت عليه,فبعدأن سهلها الله ﷻ عليه. طبعاً خصلة الشعور بالثقل هذه من خصال المنافقين وحدثنا القرآن والسنة عنها كثيراً لكن لا مجال للحديث عن هذه الأمور, لأنَّها ليست هي المقصودة، والمقصود التعرض لبعضٍ من هذه المظاهر.
منها كذلكالرضا بوضعه وتلمس الأعذار,يعني يرضى لوضعه ويتلمس الأعذار له,دائماً يتلمس الأعذار ،وقضية تلمس الأعذارقضية مهمة جداًللإنسان, يعني الإنسان المسلم مفتن كما قال النبي ﷺ : ((إنَّ المسلم خُلِقَ مُفْتَنًا تَوَّابًا نَسِيًّا إِذَا ذُكِّرَ ذَكَرَ))(2) ، المسلم يقع في المعاصي وما من مسلم إلا وله ذنب يرتاده بين الفينة والأخرى كما يقول النبيﷺ ، يعني ليست الخطورة أن تقع في الذنب ,إنما الخطورة أن تعتذر لهذا الذنب وأن ترضى به,بينماالإنسان المسلم يقع في الذنب لكنهإذاذُكِّرَ ذَكَرَوهو مفتن,يفتنه الله ﷻ ويبتليه بالوقوع في المعاصي حتى يختبر إيمانه,لكنه يرجع ويعود إلى الله ﷻ,كما في قول الله ﷻفي الآيات التي في [آل عمران]:﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ﴾[آل عمران: ١٣٥]. بينما الإنسان المصاب بهذا المرض لا يعتذر ,لايمكنأن يعتذر-نحن نتكلم عن وضعه بينه وبين نفسه ليس أن يعتذر لإنسان-لكن في نفسه لا يمكن أن يعترف بالخطأ لأنه فعلاً بدأ يقصر بل يلتمس الأعذار ,يعني مثلاً أنا بدأت أقصر ، بدأت أتأخر عن الصلاة ، لأني مشغول ، لأني كذا…إلىآخر هذه الأعذار التي لا تنقضي في يوم من الأيام.
ومنها كذلك من هذه المظاهر, إنسياقالإنسان في عمل المكروهات التي ربما يوصله إلى الوقوع في بعض الصغائر والمحرمات التي ما يمكن أن يقع فيها في يوم من الأيام.
فلنكتفي بهذا الذكر من المظاهر وننتقل إلى الحديث عن أسباب هذا المرض.
الأسباب
من أسباب هذا المرض تدلس الإنسان بمعصية من المعاصي وربما يستره الله ﷻ عليه,لكنه لا يحسن التعامل مع نفسه بعد الوقوع في المعصية,الإنسان المسلم ليس معصوماً من الوقوع في المعصية ولا في صغيرة من الصغائر,لكن القضية هي كيف تتعامل مع نفسك بعد هذه المعصية ؟ ,كيف تعالج نفسك من هذه المعصية ؟ هنا مربط الفرس هنا العلاجالمهم، هنا التعامل,هنا الفاصل الذي يفصل بين الإنسان الذي يستمر في طريقه وبين الذي يتوقف وتعتبر هذه له عقبة من العقبات.
العـــلاج
الإنسان المسلم يقع في معصية ، حيث بعد المعصية ماذا يقع؟ الندم الشديد ويسارع مباشرة إلى عمل شيئٍ من الطاعات حتى يمحو أثر هذه المعصية من سجلات سيئاته ومن قلبه كذلك,هنا المهم استفراغ المادة الفاسدة من القلب,كيف تستخرج؟ بأن يدخل الإنسانفي قلبه مادة صالحة من الحسنات فإذا امتلئ القلب بهذه المادة خرجت المادة الفاسدة والسيئات ، لأن القلب لا يمكن أن يزداد في المادة التي هي فيه -في وعائه- إذا دخلت مادة لابُدَّأن تخرج بدلاً منها مادة أخرى,إذاً الإنسانإذا وقع في معصية من المعاصي مباشرة يسارع إلى طاعة من الطاعات ، ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هُودٍ: 114] ، هكذا نزلت هذه الآية على النبي ﷺعندما جاء هذا الرجل الصحابي يشتكي إليه أنَّه وجد امرأة فهش إليها وقبلها, فجاءإلى النبي ﷺيشتكي, فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. بعد المعصية مباشرة الإنسان يسارع إلى طاعة من الطاعات,حتى يقوي في قلبه جانب الندم,وحتى ينظف القلب أولاً قبل أن ينظف سجل سيئاته من أثر هذه المعصية,لكنالإنسانإذا نسي هذا الأمر,فإنَّ ﷲ ﷻيبتليه بأنواع من العقوبة عجيبة,ألا وهيأن ييسر له السبيل في الوقوع في معصية أخرى بعد هذه المعصية,هذاالأمرالأول. والأمرالثاني:أنَّه يجعله يتغافل عن المعصية الأولىوينساها,وهذه مصيبة من المصائبأن يتذكر الإنسان حسناته وينسى سيئاته, المطلوب أن يكون حال المسلم العدل أنه دائماً ينسى حسناته ويتذكر السيئات ، لأن هداية الإنسان كما بين ابن القيم (رحمه ﷲ)تقوم على ثلاثة أمور:
- الأمر الأول: مشاهدة منة ﷲ ﷻونعمه عليه التي لا تنقطع ولا تنقضي.
- والأمر الثاني الذي تقوم عليه هداية الإنسان: مطالعة جنايته وتقصيره ، فإذا كان الإنسانيتذكر دائماًأعمالهالصالحة وينسى أعماله الفاسدة فهذه مصيبة وهذا بلاء من ﷲ ﷻله.
- والأمر الثالث الذي تقوم عليه الهداية: هو مشاهدته ومطالعته للزيادة والنقصان من الأيام.
هو دائماً في كل يوم يراقب نفسه,هل أناازددت في هذا اليوم أوتراجعت. إذاً هذه الأسس الثلاثة التي تقوم عليها هدايةالإنسان المؤمن وتقوم عليها يقظته ثم بعد ذلك يعزم ويسير إلى ﷲ ﷻ. إذاً أعظمأنواع العقوبة هي أن يبتلي ﷲ ﷻالإنسان بمعصية بعد المعصية الأولى وأن يُغفِلَ هذا الإنسان عن أن يتذكر أنَّه قد وقع في معصية، ولذلك يقول ﷲ ﷻ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30)﴾ [ الشورى: ٣٠]. إذاً حتى التقصير في الأعمال الصالحة بما كسبت أيدي هذا الإنسان المقصر من الذنوب. ويقول الضحاك(رحمه ﷲ تعالى) : (ما نعلم أحداً حفظ القرآن ثم نسيه إلا بذنب أحدثه) ثمَّ تلا هذه الآية:﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30)﴾, ثم قال : وأي مصيبة أعظم من نسيان القرآن. إذاً التقصير في الأعمال الصالحة حتى مثلاً نسيان قراءة القرآن الذي هو من أعظمالأعمال الصالحة…لماذا؟…بسبب المعاصي التي وقع فيها الإنسان. وسأل رجل الحسن البصري (رحمه ﷲ),فقال له:يا أبا سعيد إنيأبيت معافى وأحب قيام الليل وأعد طهوري,فما بالي لا أقوم؟ - يعني:يستعد وهو معافى وذو صحة قوية وعافية فما بالي لا أقوم- فقال له الحسن:ذنوبك قيدتك. إذاً هذا تأكيد على نفس المعنى هو أن التقصير في الأعمال الصالحة بسبب ذنوب الإنسان. وهذا باب واسع جداً من كلام السلف, وهوإرجاعهم لكل آفة تصيبهم في هذه الحياة إلى ذنوبهم, هذا باب واسع لكن نكتفي فقط بالأشياء التي تشير إلىأن التقصير في الأعمال الصالحة هي بسبب الوقوع في الذنوب والمعاصي. وقال الثوري: (حرمت قيام الليل خمسةأشهر بذنب أذنبته, سئل ما هذا الذنب الذي حرمت من أجله قيام الليل منذ خمسة أشهر؟ فقال:رأيت رجلاً يبكي فقلت في نفسي : هذا مراءً). هذا هو الذنب الذي يظن أنَّه حرم قيام الليل من أجله,أنَّه نظر إلى رجل نظرة استخفاف وقال لعل هذا الرجل الظاهر أنَّه يرائي ببكائه-سواء كان يبكي عند قراءة القرآنأو في صلاته أو غير ذلك-. فانظروا يا إخوانيإلى الدقة العجيبة في محاسبة نفسه. يقولأبو الحسن ابن القطان-وهو أحد حفاظ الحديث- لما تكلم في آخر حياته كيف أنَّه ضعف بصرهأو فقدبصره,فقال : (وأظنأني ابتليت بذلك لكثرة كلامي في أيام رحلتي في طلب الحديث). يعني إن ﷲ ﷻ ابتلاه بعد هذه السنين الطوال في بصره لماذا؟..دائماً يبحث ما هو الذنب الذي أذنبته فأصبت بسببه, قالأظنأنني ابتليت بسبب كثرة كلامي في أيام الرحلة، في رحلته في طلب الحديث, ابتلاه ﷲ بعد هذه السنين الطويلة. ودخل بعض الناس على سر ابن وبره وهو يبكي, فقال له:أتاك نعي بعض أهلك؟-يعني لماذا تبكي هل مات بعض اهلك- فقال : اشد,قال:وجعيؤلمك ؟ قال:أشد, تﷲ:وماذاك؟ قال: بابي مغلق وستري مسدل ولم أقرأ حزب البارحة وما ذاك إلا بذنب أحدثته. تأكيد كذلك على نفس هذا المعنى وهو أنَّ كل تقصير هو بسبب الوقوع في ذنب من الذنوب. وقال أبو سليمان الداراني:(لا تفوت أحداً صلاة الجماعة إلا بذنب). طبعاً يا إخوتي هذه المقاييس ربما نراها عالية,لكن السبب هو دقة محاسبة هؤلاء الناس لأنفسهم والمستوى الإيماني العالي الذي وصلوه,فنقول لا نحاسب أنفسنا بمثل هذه الدرجة وبمثل هذه الدقة والشدة,لكن لنبدأ على الأقل في المحاسبة الصحيحة المناسبة لأعمالنا والمناسبة لنفوسنا وإيماننا,ولذلك يقول احد العباد-وهذا الكلام نقله الغزالي في (إحياء علوم الدين)-يقول:( كم من أكلة منعت قيام ليلة, وكم من نظرة منعت قراءة سورة, وإنَّ العبد ليأكل أكلةأو يفعل فعلاً فيحرم بها قيام سنة,وكماأنَّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر فكذلك الفحشاء تنهى عن الصلاة وسائر الخيرات). لابُدَّأن وقوع الإنسان في معصية من المعاصي يؤثر عليه في صلاته وفي كل فعل من الأفعال الصالحة. ويبين ابن القيم (رحمه ﷲ)السبب في هذا الأمر,لماذا الوقوع في المعاصي يؤدي إلى تقصير في الأعمالالصالحة ؟ فيقول في ((الجواب الكافي)) في أثناء حديثه علىآثار الذنوب والمعاصي:ومنها-يعنيآثار المعاصي- حرمان الطاعة,فيقول:لو لم يكن للذنب عقوبة إلاأن يصد عن طاعة تكون بدله-تكون بدل هذا الذنب-وتقطع طريق طاعة أخرى,فينقطع عليه بالذنب طريق ثالثة ثم رابعة وهلمجرا,فينقطع عليه بالذنب طاعات كثيرة,كل واحدة منها خيرله من الدنيا وما عليها),ثم يضرب مثال كيف أنَّ المعاصي تشغل عن الطاعاتفيقول:(وهذا كرجل أكلأكلةأوجبت له مرضة طويلة منعته من عدة أكلاتأطيبمنها,وﷲ المستعان). إذاً هذا أثر مشاهد عند علماء السلف (رحمهم ﷲ),وهوأنَّ وقوعالإنسان في أقل معصية يؤدي إلى التأثير في القلب,الأثر الذي يؤدي إلى ضعف الحماس وضعف همته للقيام بالإعمال الصالحة. فالواجب على الإنسانإذاوقع في أدنى شيء من المعاصي ولو حتى شيء يعتبر من المكروهات,وإن كانت ليست معاصي,حتى لو تكلم بكلمة ثم بعد ذلك تذكر وانتبه إلىأنَّ هذه الكلمة غيبة,أو نظر نظرة فتنهُ الشيطان فافتتن بنظرة حرام,بعدها مباشرة ما الواجب عليه؟…الواجب عليه أن يقدم إلى شيء من الأعمال الصالحة, لماذا؟…لأن هذا هو العلاج الصحيح لأثر هذا الذنب في نفسه,فكيف وهذا الذنب سوف يؤدي بكإلى ذنب آخر,فلذلك يشغل الإنسان نفسه مباشرة بعد هذه المعصية بالقيام بعمل من الأعمال الصالحة. من أسباب التقصير كذلك,توسعالإنسان في المباحات,وبالذات المباحات الأربع التي سماها ابن القيم (رحمه ﷲ) في أكثر من كتاب من كتبه بــ(مفسدات القلب)، وهي:كثرةالكلام,وكثرة النوم، وكثرةالخلطة.وهو ذكر خمسة أشياء في الحقيقة لأنَّه ذكر أربعة في موضع وذكر أربع في موضع آخر وغاير بين واحدة,فذكر كثرة الطعام والشراب وذكر كذلك كثرة النوم وذكر كثرة الكلام ومرة ذكر كثرة الخلطة,والكلام وكثرته ينتج من كثرة الخلطة,وإن كان للخلطة كذلك وكثرتها آفاتأخرىأكثر بينها (رحمه ﷲ)في كتاب(الفوائد). فإذاً توسع الإنسان في هذه الأشياء المباحة يؤدي به في أقل الأحوالإلىإشغاله عن الطاعات.وذكر طبعاً كثير من المتكلمين في تزكية النفوس وفي دقائق القلوب,أنَّالإنسان يضعف بسبب إكثاره من المباحات لأنَّ القلب إذا امتلئ من حب هذه المباحات فأنَّه يخرج من حب الطاعات بمقدار الحب لهذه المباحات التي دخلت القلب، وهو تأكيد كما قلنا على أنَّ القلب وعاء,وهو بحسب ما يدخل فيه,فأنَّه سيخرج منه بمقدار الذي دخل فيه,لذلك نقل الغزالي عن بعض الصوفية-ولا بأس بذكر هذا الكلام-يقول:(وكان بعض الشيوخ يقف على المائدة كل ليلة ويقول:معاشرالمريدين,لا تأكلوا كثيراً, فتشربوا كثيراً, فترقدوا كثيراً,فتتحسروا عند الموت كثيراً). يعني هو نبه على أمرآخر هو أنَّالإنسانإذاأكل وشرب كثيراً يحتاج إلى راحة أكثر,فيضعف عن القيام لهذه العبادات وهذه الطاعات. إذاً السبب الثاني من هذه الأسباب هو الإكثار من هذه المباحات. أمر ثالث كذلك,هو:عدم إدراك النعم وقيمتها,هذه النعم التي أنعم ﷲ ﷻ بها علينا,وعدم معرفة الإنسان بكيفية المحافظة على هذه النعم. وكلكم تعرفون الآيات الكثيرة في تعداد نعم ﷲ ﷻ وأبلغ منها قولهﷻ:﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]، وقوله ﷻ :﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [ لقمان: ٢٠] . إذاً النعم ظاهرة وباطنة والإنسان لا يستطيع أنيحصيها,فما بالك إذاً بشكر هذه النعم,وشكر هذه النعم كيف يكون؟…إنما هو بالمداومة على الطاعات كما نعرف : ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] ، و:﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (152)﴾[البقرة: ١٥٢] . فالإنسانإذا نسي أنَّ نعم ﷲ ﷻ لا تدوم إلا بالشكر,وأنَّ الشكر لا يكون إلابالإكثار من الأعمال الصالحة ,فأنَّه سوف يغفل عن الأعمال الصالحة وسوف يقصر فيها ويستمر هذا التقصير بالتدريج. ننتقل كذلك إلى الأمر الرابع من هذه الأسباب: وهو غفلة الإنسان عن حاجته إلى الطاعات,يعني الإنسان يغفل عن أنَّه هو في حد ذاته محتاج إلى هذه الطاعات,وأنَّه يعمل هذه الطاعات لأنَّه لا يستطيع أن يعيش بدونها,وأنَّه لو تركها وقصر فيها فأنَّه سوف يهلك ولن يستطيع أن يعيش في هذه الحياة الدنيا,كثيراً ما يغفل الإنسان عن أنَّه ضعيف وأنه لا حول ولا قوة ألا بربه ﷻ، وأنَّ المسلم لا بُدَّ له إنأرادأن يعيش في هذه الحياة ويقوم بدوره والواجب عليه الذي خلقه ﷲ ﷻمن أجله,فلابُدَّ له من زاد يتزوده بهذا الطريق للقيام بالدور الذي خلقه ﷲ ﷻ من أجله,هذا الزاد هو الطاعات: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ﴾ [البقرة: ١٩٧] ,ولذلك:﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)﴾ [العنكبوت: ٦٩],ولذلك نزلت هذه الآيات العظيمة في أول رسالة النبي ﷺ,واصطفائه في مكة: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) ﴾ [المزمل: ١ – ٥],هذه المهمة التي نزلت على النبي ﷺقول ثقيل وعظيم,﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6) ﴾ [المزمل: ٦],إلىآخر هذه الآيات وقد تكلم ابن القيم(رحمه ﷲ)ومن بعده صاحب ((الظلال)) كلاماً جميلاً وبديعاً على هذه الآيات,وكيف أنَّالإنسان الداعية في هذه الحياة الدنيا زاده الأولوالأخير هو هذه الطاعات,وأنَّهإن قصر في هذه الطاعات لن يستطيع أن يواصل طريق الدعوة. وفي ذلك الحديث الذي صح عن النبي محمد ﷺ : ((مثل الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه,كمثلالمصباح,يضيء للناس ويحرق نفسه))(3). هكذا قال النبي ﷺ ، إذاً استمرار الطريق مع انقطاع الزاد سوف تنقطع وتكون مثل المصباح الذي يضيء للناس,لكن كيف اضائته للناس؟…على حساب نفسه وإحراقهلنفسه. إذاً نحن الذين نحتاج إلى الطاعات وليست الطاعات هي التي محتاجة إلينا,قال تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء: ١٤٧]، ﷲ ﷻما فرض علينا هذه الطاعات لأنَّه يحب أنيعذبنا,فإذا لم نعمل هذه الطاعات أحب ﷲ عذابنا ,لا,ﷲ ﷻأمرنا بهذه الأمور من أجلنا نحن,ولكي نستطيع أننعيش في هذه الحياة,ولكيأن نستطيع أن نؤدي دورنا الذي خلقنا ﷲ ﷻ من أجله وكذلك من ثمرات هذه الطاعات,السكينة وراحة النفس التي يفقدها الإنسان في كثير من الأحيان,هي من ثمرة هذه الطاعات,قال ﷲ تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (18)﴾[الفتح: ١٨] إذاً رضا ﷲ ﷻ والطمأنينة التي نزلت على المؤمنين في ذلك الوقت هي بسبب إقبالهم على هذه البيعة العظيمة,بسببإقبالهم على طاعة النبي ﷺ,ويقول ﷲ ﷻ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2)﴾[الأنفال: ٢] إذاً زيادة الإيمان والطمأنينة بذكر ﷲ لا تقوم إلا بالطاعة,إذاً حياتنا في هذه الدنيا لا يمكن أن تقوم إلا بالطاعة، وإذا قصرنا في هذه الطاعة ضعفت حياتنا, وزادت علينا الكثير من الأمور التي تنافي الطمأنينة والتي نتجت بسبب ذهاب الطمأنينة من القلوب. منها كذلك من هذه الأسباب التي تجعل الإنسان يقصر في هذه الصالحات والأعمال التي تقربه إلى ﷲ ﷻ,ضعف أو نسيان التصور الحقيقي لأجر الطاعات,يعني معرفة الإنسان لأجور الطاعات مهمة جداً,لأنَّالإنسان قد يفتر وقد يكسل,فالشيء الذي يذهب الفتور والكسل هو تذكرهالأجر العظيم لهذه الطاعات. الإنسان لو كان يتذكر عند نومه في الليل قول النبي ﷺ:((ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها))(4),فقط يتذكر هذا الحديث العظيم,ركعتاالفجر,سنة الفجر خير من الدنيا وما فيها,أنا ما أتكلم عن قيام الليل أوأتكلم عن أشياءأخرى,أشياء عظيمة, أقول ليبدأ الإنسانبالتدريج,هذه السنة العظيمة,لماذادائماً الإنسان يقصر فيها,ويفرط فيها فيأتي إلى الصلاة متأخراً,لو تذكردائماً مثل هذا الأمرالعظيم,لا يمكن أن يفرط في مثل هذه السنة,الأجر العظيم في الصيام الذي نعرفه كلنا الآن ويأتي في ذلك الحديث القدسي المعروف,والذي فيه الكثير من أجورالصيام,لو تذكره الإنسان في كل ليلة لا أظنأنَّه يمكن أن يصبح في يوم من الأيام إلا وهو صائم,لو كان دائماً يـــتذكــــر. ولذلك كان السلف(رحمهم ﷲ)عندهم إقبال عظيم وعجيب جداً على الطاعات,السبب هو تذكرهم لمثل هذه الأجور العظيمة حتى شغفت وشغلت قلوبهم بهذه الطاعات,ما بقي شيء عندهم يحبونه في هذه الدنيا إلاالطاعات,وقد افرد ابن المبارك (رحمه ﷲ)في (كتاب الزهد) باباً تكلم فيه عن من أحب الدنيا لحبه عبادة من العبادات,يعني كثير من السلف كان يقول:(لولا كذا لدعوت ﷲ أنأموت),ويكون هذا الشيء الذي يحبه من هذه الدنيا هو الصيام,هوالصلاة,هو قراءة القرآن,السبب ما هو؟…هو دائماً الاستحضار للأجر العظيم لهذه الطاعات ولذلك لمن لم يكتمل عنده هذا التصور, وأنَّ هذه الطاعات هي النجاة له وفيها الأجور العظيمة والجزيلة في الدنيا قبل الآخرة, وأنَّ من أعظم فوائد الطاعات,هي النجاة من أهوال يوم القيامة,هذه الأهوال التي فيها أحاديث والآيات الكثيرة جداً ,ويكفي من هذه الآياتقوله تعالى﴿ وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (61) ﴾ [الزمر: ٦١] ،: ﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم: 71-72] . إذاً النجاة يوم القيامة لن تكون إلا بهذه الأعمالالصالحة,فالإنسانلابُدَّ عليه أن يمر بين فترة وأخرى على فضائل الأعمال حتى يتذكرها,وحتى يقوي من همته وعزيمته,وكذلك يمر على الأحاديثوالآيات التي جاءت في الجنة ونعيمها وفي النار وجحيمها,وأهوال يوم القيامة وهي آياتوأحاديث كثيرة وكثيرة جداً جداً. لابُدَّأن يكون للإنسان بين فترة وأخرى وقت يجلس مع نفسه حتى يراجع مثل هذه الأمور,والأمر كما يقول ابن الجوزي (رحمه ﷲ) :(من لمح فجر الأجر هان عليه ظلام التكليف),يعني نور الأجر والمفازة والنجاة التي تكون من هذا الأجر هان عليه ظلام التكليف يقول : ما هي إلا سويعات وينقضي الليل وأنال هذا الأجر من هذه الأعمال الصالحة. منها كذلك من هذه الأسباب,نسيان الإنسان وغفلته في كثير من الأوقات عن البرزخ وعن الآخرة وعن أنَّه لا محالة ميت في وقت من الأوقات,وهذا سبب من أعجب الأسباب ويستحق الإنسان أن يفردها في درس كامل,كيف أنَّ الإنسان متيقن تمام من أنَّه سيموت وأنَّه سيبعث إما جنة وإما نار,مع ذلك لا يؤهله لدخول هذه الجنة,أو النجاة من هذه النار,كيف أدى طول الأمد بالإنسان إلى ما يقارب نسيان الموت والغفلة عنه,مع أنَّه متيقن تمام اليقين من أنَّه سيموت وسيبعث ويكون إما ها هنا وإما ها هنا. فإذاًالإنسانإذا نسي مثل هذه الأمور وتغافل عنها في كثير من الأوقات سوف يقصر في هذه الأعمالالصالحة,وربما ينساق في كثير من المكروهات التي تؤدي به إلى الوقوع في المحرمات,والنبيﷺنبه إلى اثر تذكر الموت على إحسانالأعمالالصالحة,من ذلك قوله ﷺ-والحديث هذا موجود في سلسلة الأحاديث الصحيحة-((اذكر الموت في صلاتك, فإن الرجل إذا ذكر الموت في صلاته لحري أن يحسن صلاته))، إذا تذكر الإنسانالآخرة فأنَّه حري به أن يحسن من عبادته ومن صلاته وغيرها من الصالحات,((وصل صلاة رجل لا يظن أنَّه يصلي صلاةً غيرها))(5)يعني اعتبر هذه الصلاة هي آخر صلاة لك. ومن المنامات الكثيرة التي رؤيت وكانت تُرى من الصالحين في عهد السلف (رحمهم ﷲ) ,أنَّ كثيراً منهم كان يموت له قريب أوأخ له من إخوانه في ﷲالصالحين,فيراه في المنام,فيسأله ماذا فعل ﷲ بك؟..فيقول له:فعل ﷲ بي كذا وكذا ونحن في أمر عظيم, نحن نعلم ولا نعمل, وأنتم تعملون ولا تعلمون.هذهأمنيةالإنسان الميت ركعتان كما ورد عن النبي ﷺ-كما في بعض الأحاديث التي تتقوى بطرقها-((ركعتان لصاحبكم خير له من دنياكم))(6)-يعني صاحب القبر-هذه هيأمنيةالإنسانإذا وضع في قبره. فليعتبر الإنسان نفسه الآن عنده هاتان الركعتان سوف يصليها,وبعدها سوف يموت,هذا حري بهأن يُحسِّنَ صلاته ،وتكملة الحديث ((وإياك وكل أمر يعتذر منه))، ويقول ﷺ:((أكثروا ذكر هادم اللذات فأنَّه لم يذكره احد في ضيق من العيش ألا وسعه عليه,ولا ذكره في سعة ألا ضيقها عليه))(7)هادم اللذات هو الموت,لأنَّهإذا تذكره وهو في هذا الضيق من العيش وتذكر أنَّ هذا الضيق سوف ينتهي في هذا الموت,هان عليه مثل هذا الضيق. وقال ﷺ :((أفضل المؤمنين أحسنهم خلقاًوأكيسهمأكثرهم للموت ذكراًوأحسنهم له استعداداً,أولئكالأكياس))(8). وفي حديث البراء بن عازب قال رسول ﷺ:((إي إخواني لمثل هذا اليوم فأعدوا))(9). ليس المقصود من ذكر هذه الأحاديثأنَّالإنسان يتأثر بها ويحل له ما يحصل,لكن المهم تذكر هذا العلاج المهم,أنَّهدائماًالإنسان إذاأرادأن يقدم على طاعة من الطاعات فليعتبر أنَّ هذه الطاعة هي آخر شيء سيعملها في حياته وأنَّه سوف يموت بها، وكما قال النبيﷺ:((لحريٌّأن يُحسِّن صلاته)),وإذا تذكر أنَّها هذه آخر شيء من هذه الطاعات. والأحاديث في هذا الباب كثيرة, ولذلك كان النبيﷺ يذكر أصحابه كثيراً بمشاهد القيامة والبعث والصراط والميزان وغير ذلك من المشاهد العظيمة ولا مجال للتذكير هذه الأمور في هذه العجالة,لكن ليتذكر الإنسان بين الفينة والأخرى,وليكن له ورد من قراءة هذه الأمور… كذلك من الأسباب التي تؤدي بالإنسانإلى التقصير أوالتراجع في أعماله الصالحة أن يعتبر الإنسان نفسه قد بلغ الكمال, وأنَّ الذي وصل إليه لا مزيد عليه بمعنى أن يرضى الإنسان بواقعه، وإنَّ الإنسانإذا رضي بواقعه هل يمكن أن يزداد عملاً ؟ لا، ويقول : الحمد ﷲ، يكتفي الإنسان بما هو عليه وقد يكون فعلاً وضعه طيب يعني قد يكون الإنسان فعله طيب،لا ، مجرد الشعور أنَّ وظعه غير سيء,أي أن يشعر بأنَّه لا يحتاج إلىالأعمال الصالحة التي داوم عليها، هذه بداية النهاية كما يقولون، أن يعتبر الإنسان نفسه أنَّه قد نجى,وأنَّهإذا استمر على هذا العمل فأنَّه ناج. أين هذا من فقه السلف (رحمهم ﷲ تعالى) ,من ذلك ، يقول عمررَضِيَ اللّٰهُ عَنْهُ: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا, وزنوا أعمالكم قبل أن توزن ، وتزينوا للعرض الأكبر,فإنَّما يخف الحساب يوم القيامة على من حاسب نفسه في الدنيا). الإنسان لو حاسب نفسه محاسبة دقيقة يخفُّ عليه الحساب يوم القيامة، ويعرف فعلاً هل هو مقصر أو هو فعلاً قد بلغ حد الكمال,يعرف حقيقة مرتبة الكمال الذي هو عليها، ولذلك يقول ميمون بن مهران: (لا يكون العبد تقياً حتى يحاسب نفسه كما يحاسب شريكه من أين مطعمه وملبسه),هذا كأنك تحاسب شريكاً لك في التجارة,من أين أخذت كذا ؟ومن أين أنفقت كذا؟هكذا يجب عليك أن تحاسب نفسك. وفي هذا أكثر المعروف الوارد عن بعض العباد من ظن في إخلاصه إخلاص,فقد احتاج إخلاصه إلى إخلاص, يعني الإنسان إذا رأى نفسه مخلصاً، إذا رأى نفسه مكثراً من الأعمال الصالحة ، ويرى أنَّه على خير ويكفيه هذا، في الحقيقة يجب عليه أن يراجع حقيقة هذا العمل ومنزلة هذا العمل وأنَّه بعيد كل البعد عن أن يكون قد بلغ النهاية وقد بلغ الكمال,بل لا مجال لأن يبلغ الإنسان الكمال. ولم يستطع النبي ﷺ أن يبلغ هذا الكمال الذي يؤدي به إلى دخول الجنة.لا أحد كما تعرفون يدخل الجنة إلا برحمة ﷲ ﷻ. لذلك يقول الحسن البصري عندما تكلم عن ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61)﴾[المؤمنون: 61] ،الآيات المعروفة في سورة المؤمنون ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيات رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) ﴾ [المؤمنون: ٥٧ – ٥٨]، يقول الحسن :(عملوا وﷲ بالطاعات والصالحات واجتهدوا فيها)إذاً هذه حالهم عمل بالطاعات والصالحات واجتهدوا فيها,يعني هو ليس عمل وتوقف لا,بل هو مجاهدة واجتهاد دون توقف ، (وخافوا أن ترد عليهم) وخافوا أن ترد عليهم، يكفي الإنسان أن يفكر أنَّ هذا العمل ربما فيه آفة من الآفات التي تجعل هذا العمل مردوداً عليه ، (إنَّ المؤمن جمع إحساناًفي خشية والمنافق جمع إساءةوأمنا),يراجعالإنسان دائماً كلام الحسن (رحمه ﷲ تعالى)وفيه بُلغة وفيه خيرٌ عظيم. من الأسباب كذلك التي تؤدي بالإنسانإلى التقصير كثرة الأشغالهذا أمر مهم ،الإنساندائماًيحسبأشغاله وينسى أنَّه مطالب من ربه ﷻ ومن نفسه بأداء هذه الأعمال الصالحة، فإذا أراد أن يحسب برنامجه اليومي أو الأمور التي سيكون مشغولاً بها في هذا اليوملا يضع خانة لنفسه يعني يضع زيارة للعمل، قراءة كذا ، استقبال فلان ، الذهاب إلى أي شيء من الأشياء، لا يضع خانة يتفرد الإنسان فيها لنفسه ، يقرأ فيها ورده اليومي من القرآن، أو يقوم بشيء من العبادات والطاعات يؤدي أي شي من هذه الأشياء،يذهب إلى زيادة القبر,وربما تكون النتيجةمؤسفة لو سُئل في أي مجلس من مجالس الأخوة الصالحين منذ متى لم تزر مقبرة من المقابرربما تكون الإجابة مؤسفة ومخجلة على هذا السؤال. والسبب الإنسان عنده أواويات ليست من هذه الأولوياتأعماله الصالحة,إنما مشاغله الدنيوية وربما انشغاله في بعض الطاعات مثل إنشغاله مع إخوانهأو أي شيء ثاني من هذه الأمور,لكن نقول: الزاد المطالب به الإنسان في هذه الحياة الدنيا لاستمرار واجبه في الدعوة إلى ﷲ وفي سؤاله مع الناس,هذه التقوى وهذه العبادات والطاعات,فلذلك لابُدَّ من ملاحظة هذا الأمر ويكفي هذا الكلام عن هذه النقطة. يجب أن يضع الإنسان منَّا في قائمة أولوياته وقتاًيخصصه لعبادة ﷲ ﷻمهما كان نوع هذه العبادة ولابُدَّ للإنسانأن يكون له ورد يومي، الناظر في حياة السلف يا أخوة يخجل من الأشياء التي يقرأها عن كثرة قراءتهمللقرآن,وتقصير الإنسان في هذا الزمان مع كثرة جهادهم وكثرة عبادتهم لﷲ ﷻ وكثرة أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وكثرة طلبهم للعلم وتفرغهم للعلم ولذلك ترى فيهم مشاهد وقصص عجيبة فيإكثارهممن قراءة القرآن وكل ذلك بتوفيق ﷲ ﷻ. فلابُدَّ للإنسان مثلاً أن يكون له ورد يومي منالقرآنفي غير رمضان يقرأ كل يوم جزءً ,هذا الجزء لو قرأه لو أخذناالقراءة البطيئة يمكن أن يحتاج إلى ساعة، إذا هذه الساعة من 24 ساعة ما يحتاجها الإنسان وما يليق بهأن يخصصها فعلاً لقراءة القرآن، هل يستكثرها الإنسان على قراءة القرآن ؟ لا يستطيع أن يعيش بدونها,يعني لو ترك الإنسان قراءة القرآن أو فرط فيه ، سوف يجد أثره بعد فترة شهرين ، ثلاث، وربما سنة ، سنتين ، سوف يجد نفسهإلى أي مستوى انحدر من تقصيره في قراءةالقرآن ,ونركز علىقراءة القرآن لأنَّهالأساس، لابُدَّ للإنسانأن يكون له ورد يومي ولا يفرط في هذا الوقت المبارك، حتى لو كان…الأهم هو شيء يومي يلين له هذا القلب ويذكره ويربطه بﷲ ﷻ، فإذاً كثرة الأشغال من الأمور الخطيرة وهي داء منتشر. لايزال الإنسان منا إذا سألته لماذا أنت مقصر في كذا ؟إلا ويعتذر بأنَّه مشغول بكذا فوراً، إذاً لماذا لم تضع هذا الأمر الذي سئلت عنه من الطاعات في قائمة أولوياتك ثم بعد ذلك وازنت بين هذه الأولويات ؟ من هذه الأمور كذلك التي تؤدي إلى التقصير,مرض منالأمراض المهمة والتي تحتاج إلىأن تفرد بدرس خاص إلا وهو التسويف. كيف يدخل الشيطانفي قلب الإنسان من باب التسويف؟ وما هي أسباب التسويف ؟ وكيف يعالج الإنسان هذا التسويف؟ هذا مرض عجيب ولا يكاد ينجو منه إنسان,يعني بعض الناس قد يكون مدار تسويفه طويل جداً يكون بالسنين,لكن هناك ناس قد يسوفون في خلال اليوم,يعني يؤخر العمل من هذه الساعة إلى الساعة الفلانية هذا كذلك من التسويف.ولذلك في قصة تولي عمر بن عبدالعزيز (رحمه ﷲ) للخلافة أنَّه جاءه ابنه عبد الملك في وسط النهار فسأله– أي سأل عمرَ- :يا أبتي ما تفعل ؟ قال:أريد أن أنام-أقيل: ينام القيلولة قبيل الظهر- ، فقال له :ومظالم بني أمية؟-يعني ومظالم بني أمية التي كانت واقعة في الناس من يرفعها عن الناس؟- قال:نرفعها بعد صلاة الظهر– أي نتفرغ لها بعد صلاة الظهر -. انظروا أيها الإخوة هذا في أول يوميعنييمكن أن يقول: مظالم بني أمية نؤخرها بعد سنة لكن انظروا متى دقة عمر بن عبد العزيز يريد أن يرفع المظالم فوراً متى ؟ بعد صلاة الظهر في أول يوم من أيام خلافته ، قالوا: ومن يضمن لك أنتعيش إلى صلاة الظهر ؟, انظروا إلى مثل هذه الدقةحتى هذا الأمر ربما يعتبر في مقياس الصالحين من التفريط ، وهذا كلام الابن البار لأبيه (رحمهم ﷲ تعالى) ، إذاً هذا النوع من أنواع التسويف وهكذا يستمر تسويف الإنسان وتتراكم الإعمال الصالحة ، تتراكم وتتراكموتتأخر حتى يكاد الإنسانيضيق بها,ولا يجد مجالاً لعملهاكلها مهما أخرت العمل لنتجد مجالاً مثل المجال الذي هو عندكفسارع وبادر…اعمله أو اعمل منه قدر ما تستطيع لأن الأيام كلما مضت ازداد انشغالك,وجدَّ عليك فيها شيء جديد سوف يضعف ويقلل من الوقت الذي يمكن أن تدعه لهذاالعمل الصالح. ولذلك نبه النبيﷺإلىالمبادرة بالأعمال,وذكر ﷲ المؤمنين في القرآنأنَّهم يستبقون الخيرات وأنهم يسارعون في الخيرات والذي يسارع في الخيرات لا مجال للتسويف لكي يدخل عليه,بادروابالأعمالسبعاً هل تنتظرون إلا فقراً منسياً أو غنىً مخزياًأو مرضاً مفسداًأو هرماً مفنداًأو موتاً مجهزاًأو الدجال فشر غائب منتظر أو الساعة فالساعة أدهى وأمر. إذاً هناك أمور كثيرة يمكن أن تعترض حياة الإنسان وتشغله عن القيام بهذا العمل إذا أخره ووفى به,ولذلك فهم عمر رَضِيَ اللّٰهُ عَنْهُهذا الحديث فقال لنا هذه القولة قال :(القوة هيألا تؤخر عمل اليوم لغد)، ومعناه أن تبادر بالعمل إليه. فمثلاً لو أنَّ لديك ورد من القرآنأو عندك ورد من القرآن تحفظه كل يوم مثلاً كل يوم خمس آياتوهكذا قررت على نفسك تحفظ كل يوم خمس آيات,لا يمكن أنتأتي في يوم وتؤخر الخمس آيات، اليوم لا أحفظ إلى غد,يوم غد إن شاء ﷲ أحفظ عشر آيات,والعشر آيات ليست كثير، قد تكون فعلاً تستطيع أن تحفظ عشر آيات لكن هذه بداية التسويف,وسوف تعتاد على التسويف وبعد ذلك تبدأالتسوف في أقل الأمورأهمية,يعني الآن مثلاً جاءك أمر مهم يجعلك تؤخر الخمس آيات لغد ، لا بأس، لكن عندها ستعتاد، بعد ذلك يأتيك أمر أقل أهمية وتترك الخمس آياتوتصبح تعتاد على التسويف ويصبح التسويف عندك أمراً معتاداً. وهذه القوة يا إخوةأن يبادر الإنسان بالعمل حتى بأعمال الدنيا لا يدع شيئاً يؤخره حتى أعمال الدنيا ، ليس فقط بأعمال الآخرة ,إنأراد الإنسانأن يحسن أعماله كلها في دنياهوأخراهفليبادر بالعمل فوراً. وتعرفون حديث النبي ﷺ كما قال للرجل : ((اغتنم خمسا قبل خمس ))-وهذا حديث عظيم- أن يغتنم الإنسان شبابه قبل هرمه وصحته قبل مرضه,من يضمن لك أنَّك غداً إن شاء ﷲ ستكون سليماً ؟ وكم تمر على الإنسانأيام يقول:أؤخر العمل إلى غد ، وغداً يمرض,المرض الذي يجهده,ولذلك من رحمة ﷲ ﷻأنه جعل مرض الإنسان المسلم في يأُجر فيه كأجره وقت صحته كما صح عن النبي ﷺفي حديث البخاري الذي رواه أبو هريرةرَضِيَ اللّٰهُ عَنْهُ مرفوعا :((إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمله إذا كان صحيحاً مقيماً))(10). يعني الإنسانإذا مرض فإنه سوف لا يستطيع أن يؤدي مثلاً بعض الطاعات سوف يبرد عنها ، لكنَّ ﷲ ﷻرحيم بنا,سوف يكتب لهأجرهذه الطاعات التي لا يعملها هو اليوم ، لماذا ؟ لأنه كان مداوماً عليها ,وكذلك إذا سافر العبد لذلك بعض الناس يقول لماأسافر !!! يحزن على أنه فاتته أجر السنن الرواتب هكذا ولكن هي الحقيقة تكتب لكإذا كنتأنت تعملها في وقت صحتك وفي إقامتك,حتى المرض إذا جاء واعترض الإنسان فأنَّه يكون رحمة للإنسان المؤمن لأنَّه يكتب له أجر أعماله الصالحة التي كان مداوماً عليها بدون أن يعملها,لكن هذا كله لمن؟؟للذي لم يجد التسويف إلى نفسه طريقاً ولهذا سوف تستمر عليه أعماله الصالحة وأجره. أذكر آخر الأسبابالبيئة التي يعيشها الإنسان,ولست أتكلم عن بيئة فاسدة يعيش بها الإنسان لكن القرين بالمقارن يقتدي,وهمتك على قدر ما اهمَّت، وخواطرك من جنس همك,الإنسانإذا عاش بين إخوةأقوياء فيﷲ ﷻ وعندهم همم عالية لا يمكن أن يتراخى,على الأقل يستحيي منهم أنَّ كل إنسان منهم مثلاًيؤدي من الطاعات كذا ، وكلهم يحفظون القرآن أو يحفظون عشرين أو خمساً وعشرين من القرآنوكلهم مفرغين أنفسهم لطاعة ﷲﷻسواءً كانت على شكل علم أوعلى شكل عمل,على أقل الأحوال سوف يستحي وإذا استحيى سيبدأ بالعمل ثم بعد ذلك يرزقه ﷲ ﷻ النية الصالحة على هذا العلم,وكما ورد عن كثير من السلف:(طلبنا العلم لغير ﷲ فأبى العلم أن يكون إلا لﷲ). إذاًأقل فوائد المعيشة في البيئة القوية ، القوية علمياً والقوية عملياً ,أنَّ الإنسان ترتفع همته,وينساق مع الموجة كما يقولون ، هذه الموجة قوية ستدفعه,فهو إذا جلس مع إخوانهإماأنَّهم في علم وإماأنَّهم في عمل أو طاعة فيبدأ وينشغل معهم ويستهل معهم المجلس الآخر,وربما سيتفقون على مجلس آخر ويفعلون كذا ويدرسون كذا فيذهب إلى بيته يدرس ويحفظ ويراجع وهكذا, قضية البيئة والجو القوي الذي يعيش فيه الإنسان هو أمر مهم جداً جداً,ولست أتكلم-كما ذكرت- يا إخوة عن جو فاسد يعيشه الإنسان,إنماأتكلم عن جو صالح لكنه جو ضعيف ليس فيه قوة وليس فيه همة، هذا سوف يضعف الإنسانإذا عاش في مثل هذه الأمور,إذا رأى الإنسانإخوانهأو الشباب الذين هو يعيش بقربهم في الحي كلهم دائماًيقومون إلى صلاة الفجر متأخرين, وكلهم بعد الصلاة يقومون يصلون سنة الفجر بعد الصلاة,سوف تصبح هينةعليهمأن يتأخر عن صلاة الفجر,أوتجد في المسجد لا أحد يبقى بعد صلاة الفجر في المسجد,تجد أنَّه من الصعب جداًأن يجلس وحده في المسجد وسيعتاد عدم الجلوس في المسجد,وإذا جلس في المسجد بعد صلاة الفجر إلى الشروق ظنَّأنَّهقد أتىعملاً عظيماً وهو أنَّه جلس في المسجد بعد صلاة الفجر والسبب أنَّ كل الناس الذين حوله لا يوجد منهم من يؤدي هذا العمل,فإذا تفرد هو بهذا العمل ظن نفسه قد أنجزإنجازاً ضخماً وهو أنه فعل كذا وكذا,أنت ما فعلت أي شيء ، ما فعلتإلاأمراً صغيراًوهيناً جداً جداً ,وهذا الأمرأنت تحتاجه لحياتك كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية لابن القيم: (هذه غُدوتي لو لم أجلسها لسقطت قواي). إذاًأنت تفعل أمراً لا تستطيع أن تعيش إلا به,فلا تتكرم على نفسك بمثل هذا العمل أو ما فعلت إنجازاً ضخماً ، الحقيقة الهمم يا أخوة تتفاوت بالأزمانوفي الأوقات ومع الناس الذين يعيش معهم. وأضرب لذلك مثلاً : ابن جرير الطبري ( رحمه ﷲ تعالى )إمام المفسرين وهذا الرجل الذي لو قيل أن هنالك من كمل في كل العلوم لقيل أنه ابن جرير الطبري,كان إماماً في الحديث وإماماً في العقيدة وإماماً في التفسير وإماماً في الفقه وإماماً في التاريخ,حتى الذي ينظر في كتبه يجدأنَّ كتبه كلها مبتكرة,هو أول من أبدع في هذا الفن في التفسير مثلاً هو أول من أبدع في أن يجمع لتفسير بالآثار النبوية وبآثار الصحابة والتابعين وبضمنها المباحث الفقهية والمباحث اللغوية وكلام العرب وغير ذلك,وفي التاريخ وهو أول من صنف في هذا التصنيف العجيب وفي العقيدة كذلك وفي الفقه وكذلك،وهكذا ،رجل عجيب لو قيل كمل في العلوم فلان لقيل أنه ابن جرير الطبري ( رحمه ﷲ تعالى ). لما أرادأن يصنف التفسير قال لإخوانهولأصحابه :تنشطون لكتابة تفسير فيه أحاديث النبي ﷺ وآثارالصحابةوالتابعين,فقالوا له أصحابه الذين هممهم كالجبال-يعني لو عاشوا بيننا في هذا الزمان- قالوا له:في كم يكون هذا التفسير؟ ,قال:في قدر ثلاثين ألف ورقة,قالوا:هذا عمل ينقضي العمر ولا ينقضي– يعني أعمارنا تنقضي ولايكمل-, فقال: سبحان ﷲ ضعفت الهمم .فتفرغ لوحده وكتبه ما انتظر احد,وكتب واستمر حتى انتهى من التفسير،قال لهم : تنشطون إلى كتابة تاريخ الخليقة من ادم إلى يومنا ؟ قالوا:فيكم يكون؟ قال: في قدر كذا وكذا ألف ورقة,قالوا:هذا عمل ينقضي العمر ولا ينقضي,فقال:سبحان ﷲ ضعفت الهمم,فتفرغ هو وكتب التاريخ وقالوا جاء بقدر ثلاثة آلاف ورقة. إذاً يا إخوة الإنسان منَّا ليكن في بيئتههو كالدوحة وكالشمس التي تنير على الناس,ليكن هو الذي يجذب الناس ولا ينتظر من الناس ومن إخوانهأن يجذبونه,ربما قد يكون في إخوانه نوع ضعف,فلا تضعف معهم حاول أن تشدهم أنت معك وحاول أن تقويهم بنفسك وبهمتك القوية وكما قلت في بداية الكلام همتك على قدر ما اهمّت,وخواطرك من جنس همك,الإنسانإذا كانت همته عالية يصبح همه عالي وتصبح خواطره كذلك كلها عالية حتى إذا نام فتصبح الرؤى التي يراها كلها عالية وفي الطاعات وفي الخير وفي العلم وإلى غير ذلك من الأشياء، ومن الطرائف أن بعض الإخوة يقول أنَّه يحصل له في كثير من الأحيانإذا نام بعد أن يكون منشغل بالعلم,فإذا نام يرى رؤى لها علاقة بهذه العلوم التي كان يدرسها,فيرى مثلا أنَّه ذهب إلى الشيخ عبدالعزيز وسأله في هذه المسألة التي كان يبحثها وربما رأى أنَّه نظر في كتاب كذا وكذا,حتى أنَّه يرى في مثل هذه الرؤىأنَّه نظر إلى كتاب لم ينظر له في الحقيقة من قبل ,ويتذكر الموضع فإذا استيقظ ينظر في هذا الموضع ويجده إياه. يا إخوان هذه الأشياء واقعية لا أتحدث عن خيال أوأتحدث عن قبل قرن أو عشرة قرون,فهم أناسيعيشون بيننا,ما هو السبب؟؟السبب هو هذه الهمة القوية التي سمت بهم فلنحاول كلنا أن يكون كل إنسان منا له همة تجذب إخوانه ولا يجذبونهإلى الوراء,بل لتشد إخوانكدائماً معك إلى بر الأمان.
آثار هذا المرض
هذه الآثار التي يجدها الإنسان في نفسه إذا بدأ يتراجع ويتناقص في أعماله الصالحة,ما هي الآثار السلبية من هذا التراجع؟ منهاالقلق النفسيومنهاالاضطرابوفقد الطمأنينة وفقد الراحة التي كان يشعر بها من قبل ,من قبل كان يعيش في طمأنينة وفي راحة وفي أمن,بعد ذلك يبدأ يشعر بضعف في هذه الطمأنينة ربما يشعر باضطراب ويشعر حتى الآراء لا تصبح مسدده مثل ما كانت من قبل,وهذا أمر مشاهد وهو أمر معروف قد نبه إليهالقرآن. الإنسان حياته وغذائه في هذه الدنيا هي الأعمال الصالحة,فإذا ضعفت هذه الأعمال الصالحة وضعف الغذاء,هزل الجسم وهزل القلب,الجسم في هذا المكان هو القلب وإذا هزل القلب عاش الإنسان بعيداً عن الراحة,لذلك تجد حتى آرائه مضطربة,ولا تكون متزنة ولا يسدد الإنسانإلىالآراء السليمة والحكيمة,ولذلك في قول ﷲ ﷻ:﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)﴾ [طه: ١٢٤]. هذه الآية كما قالوا عن الكفار أو غير ذلك ,لكن نحن نأخذ منها ارتباط السبب بالنتيجة,السبب هو البعد عن ذكر ﷲ ﷻوعدم الإخضاعإليه,كانت النتيجة ما هي؟؟…أنَّ له معيشة ضنكاً ويحشر يوم القيامة أعمى. فإذاً المعيشة الضنك تكون في الدنيا بحسب البعد عن ذكر ﷲ ﷻ,فإذا كان بعداً يسيراً فأنَّه يكون له من المعيشة الضنك بحسب هذا البعد,ولا يقول إنسان:أنَّ الآيةتتحدث عن الكفار وأنهم سيصيبهم يوم القيامة كذا وكذا وليست للمسلمين، لا بل نأخذ منها السبب ونتيجة، السبب هو كذا والنتيجة هي كذافإذا فعلت من السبب بأي مقدار فسيكون لك من النتيجة بنفس المقدار الذي أتيت به من هذا السبب ،إذاً البعد عن الراحة ووقوع الإنسان في القلق والبعد عن التوفيق في آرائه والسداد.
ومنهاالفتور,وهو مرض خطير له من الآفات ما لا يعلمهاإلا الله ﷻ,لماذا؟ لأن الزاد في هذا الطريق إذا انقطع,سوف يتوقف الإنسان عن السير، يعني الآن زادك في طريقك إلى الله ﷻهو الأعمال الصالحة فإذا انقطع هذا الزاد أو خفَّ مشيك في هذا الطريق وربما تتوقف في هذا الطريق وتهلك وتموت,لو اعتبر الإنسان هذا الطريق في الصحراء وانقضى منه هذا الزاد ما الذي سيحصل له ؟ سوف يتوقف في هذا الطريق ويهلك ويموت,فهذا هو الفتور الذي يصيب الإنسان,التقصير في الأعمال الصالحة يؤدي به إلى مزيد من التقصير,ويؤدي به إلى زيادة الفتور، ويراجع الإنسان نفسه، يعني قبل سنة مثلاً نفترض في رمضان الماضي ذهبت الى العشر الأواخر واعتكفت وكانت همتي عالية,هذه السنة ينظر الإنسان ما يجد في نفسه الهمة للذهاب للعشر الأواخر,ويريد الإنسانأن يعتذر بأي عذر من الأعذار.
ما هو السبب في هذا الفتور الذي أصابك وأضعف حماسكعن الإقبالإلى هذه الطاعة المقبلة؟؟ السبب هو أنَّك خلال العام من رمضان الماضي إلى هذه السنة ما حاسبت نفسك وما رأيت ما هو التقصير الذي حصل لك في هذه الصالحات.
ومن الآثار كذلك جرأة الإنسان على الوقوع في ما لم يكن يقع فيه من قبل,تبدأ تحصل عند الإنسان جرأة في أن يقع في الأعمال المكروهة وربما الصغائر المحرمة التي لم يكن يقع فيها من قبل,وهذه كما يقولون بالتدريج,ومن علامة السيئة السيئةبعدها، وهذا الأمرأشبعناه حديثاً في أول الموضوع.
ولذلك الله ﷻ يقول:﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾[العنكبوت: ٤٥]، إذاً التقصير في إقامة الصلاة ، الضعف في إقامة الصلاة,التأخر عن إقامة الصلاة,عدم إقامةالصلاة الإقامة صحيحة يعني أدائها وعدم إقامتها الإقامة الصحيحة ,يؤدي إلى ضعف في نهي نفسك عن الفحشاءوالمنكر,هذه النتيجة مسلمة من هذه الآية.
ولذلك ورد عن ابن عباس من قوله أنه قال: (من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً) ، اذكره كأثر وليس كحديث مرفوع عن النبي ﷺ.
إذاً بين الإنسان وبين المعاصي حاجز هو هذه الأعمال الصالحة,إذا ضعف الحاجز سهل أن يصل إلى هذه المعاصي.
من الآثار العجيبة التي قَلَّ من يتفطن لها ضعف بدن الإنسان,يضعف بدن الإنسان بسبب تقصيره في الأعمال الصالحة,يشاهد الإنسانإذا قصر في الأعمال الصالحة تضعف همته مثلاًلقيام الليل في التراويح,كان من قبل معتاد يصلي عند الإمام الفلاني الذي يطيل,لكن هذا الإنسان ما يجد في نفسه هذه الهمة,وإذا ذهب تجد يتعب,لماذا هذا التعب؟؟ لم يصب بمرض أوأي شيءفي جسده ، فجسده كما هو؟؟السبب هو قد حصل في القلب شيء أضعف البدن، والأمر كما يقول احد التابعين:(إنَّ قوة المؤمن في قلبه وليست في بدنه ، ألا ترون إلى الرجل عمره كذا وكذا سنة ثم يقوم الليل ويقوم النهار,وتجد الشاب لا يقوى على ذلك) ، وهذا أمر مشاهد,الإنسان ربما يكون عمره سبعين أو ثمانين سنة ويقوم لصلاة التراويح وأنت تقول متى ينتهي الإمام، أطالالإمام وهكذا.لماذا هذا الذي بجانبك ويزيد عليك بالعمر خمسين أو ستين سنة,لماذا لم يشتكِ هذه الشكوى؟؟ من أين أتت هذه القوة؟ تأتيه من قوة قلبه,ومن أينأتت قوة القلب ؟ من صلاح القلب والنور الذي أودعه الله ﷻفيه بسبب أعماله الصالحة.
وهذه الإشارة جاءت في قول هود: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إليه يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢].
وكلكم تعرفون حديث علي رَضِيَ اللّٰهُ عَنْهُلما جاءت فاطمةإلى النبي محمد ﷺتشتكي من كثرة العمل وتطلب خادماً,فدلها على ما هو خير من خادم، وما هو هذا الأمر الذي هو خير من خادم؟ ذكر الله ﷻ عند النوم,تسبح ثلاثاً وثلاثين وتحمد الله ثلاثاً وثلاثين وتكبر أربعاً وثلاثين,قال:((فذلك خير لكما من خادم))(11).
ليعود الإنسان نفسه على مثل هذا الذكر فترة طويلة ثم ليقطعه مرة من المرات وليشاهد الأثر في صباحه كيف يكون ضعفه في ذلك اليوم ؟ ،معنى آخر في قول النبي ﷺعن ربه ﷻ: (ابن ادم اكفني أربعاً في كل نهار أكفكآخره)(12) أي :صلِّ أربع ركعات في أول النهار أكفك آخره.
ليداوم الإنسان فترة طويلة على صلاة الضحى,ثم لينظرإذا قصر في يوم من الأيامفي هذه الصلاة ,ماذا يحصل له في ذلك اليوم؟ أقَّل شيء أنَّه يضعف عن العبادات، وهذا يا إخوة أمر مجرب,وقد سألت بنفسي كثيرين عن مثل هذا الأثر فاعترفوا به وأنَّهم يجدونه في أنفسهمإذا حصل,يعني مثلاًإذا جاء إنسان وقلنا له متى كنت محافظاً على ورد من الأورادأو مداوم على طاعة من الطاعات ثم حصل أنَّك في يوم ما أتيتها في سبب من الأسباب ما الذي يحصل؟يقول فعلاًهذا الذي يشاهد,وهذا الكلام سمعته كثيراً بنفسي.
ومنها من أعظم الأسبابحرمان الإنسان من التوفيق والعون الإلهي، يحرم الإنسان من عون الله ﷻوتوفيقه له، والسبيل إلى العون والتوفيق هو طاعة الله ﷻ، وابن القيم (رحمه الله)نبه إلى هذا المعنى في ((الفوائد)) وجعلأولآثار المعاصي حرمان التوفيق (قلة التوفيق) يعني أول آثار المعاصي فائدة من كتاب الفوائد هو قلة التوفيق,ثم يذكر الضعف الذي يصيب الإنسان في بدنه، والله ﷻيقول : ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128)﴾[النحل: ١٢٨]، ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)﴾ [العنكبوت: ٦٩].هذه المعية التي ستكون في التأييد والنصر والعونمن التوفيق، ولن ينالها الإنسانإذا قصر في السبيل إليها وهو أعماله الصالحة.
ونحن في هذا الزمن أشد ما نحتاجه لمثل هذه الأمور, لما يقرأ الإنسان منا عن أعمال السلف وكيف بارك الله ﷻلهم في أوقاتهم وكيف نالوا هذا العلم العظيم,الذي ربما الآن تفنى أعمارنا ولا نقرأ ما كتبه مثلاً شيخ الإسلام ابن تيمية, كل ما كتبه ابن تيميةربما يفنى العمر ولا يقرأ كل ما كتبه ابن تيمية ، إذا وجد ابن تيمية الوقت ليتعلم هذا العلم متى وجد العلم ليكتبه ؟متى وجد الوقت ليجاهد في سبيل الله؟ متى وجد الوقت ليسجن؟متى وجد الوقت في محاكماته مع أعدائه؟كل هذه الأمور متى وجد لها الوقت ؟ ونحن نعجز فقط عن قراءة كلامه، السبب؟؟ توفيق من الله ﷻ، أمر لا يلزم إلا بالقلوب لا يستطيع الإنسانأن يزنه بالسعادة في دقائق,يكفي مثلاً التدمرية,أتته الرسالة أن يكتب رسالة في عقيدة أهل السنة والجماعة,جلس بين صلاتي العشيبين صلاة الظهر والعصر كتب التدمرية، الآن فهم التدمرية ربما سنة وربما سنتين وفيها من الصعوبة والمعاني البديعة والدقيقة والغامضة ما يعلمه من قاساها وجربها,هذا الرجل كتبها بين صلاتين بين الظهر والعصر.لننظر يا إخوةإلى هذا التوفيق,كتبها على البديهة وقرر القواعد (القاعدة والقاعدتين والمثل والمثلين)، كل هذا يا أخوان بسبب توفيق اللهﷻ الذي يحرم منه الإنسان بسبب تقصيرهفي الطاعات.
الأثر الآخرضعف التأثير في الناس وفتان هيبة الإنسان بين الناس الذين يعيشوا من حوله.هذه الهيبة يا إخوة وهذا التأثير في الناس في الدعاة إلى الله ﷻ,لا يكون إلا من الله ﷻبكرم وفضل منه,والنبي ﷺ نبه إلى هذا الأمر في حديث تداعي الأمم,((يوشك أن تتداعى عليكم الأمم))إلىآخره فقال في آخرهﷺ:((ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن,قالوا:يا رسول الله وما الوهن,قال:حب الدنيا وكراهية الموت))(13).
إذاًإذا نزع الله ﷻهذه المهابة التي في قلوب الأعداء لماذا تكون؟بسبب البعد عن الله ﷻ,إذالاتريد التأثير القوي والعظيم في الناس وان يعطى الإنسان المهابة بين الناس إلا بهذه الأعمال الصالحة والطاعات,وربما نشاهد يا إخوة في كثير من المجالس إذا دخل واحد من أهل الخير والصلاح تجد أهل المجلس كلهم يسكتون أو ينظرون إليه,أو ربما كان الذي يتكلم بصوت عالي ويغتاب ويفعل ويفعل تجده يسكت,مع أن الرجل تجده لم يلبس من الملابس تدل على أنه شيخ,بل هو رجل مثلنا,لكن هذه المهابة التي جعلها الله ﷻله في قلوب الناس بسبب هذه الطاعات.
ومن الطرائف التي تذكر في حديث وهو حديث موضوع وهو :((من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار)),هذا حديث موضوع.تعرفون كيف وضع هذا الحديث وكيف كان سبب وضعه؟ أن احد المحدثين كان في مجلسه وكان يحدث طلبته بأسانيد ومتون الأحاديث النبوية,فذكر لهم إسناد الحديث وهو يذكر الإسناد دخل احد الصالحين إلى المجلس,فراءه وتعجب من هيبته ومن النور الذي في وجهه,فقطع التحديث وقال-وهو يشير إليه-:من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار,فظنها بعض الطلبة هي الحديث فكتبوها فركبت حديثاً لهذا الإسناد,وهي في الحقيقة ليست حديثاًوإنما قالها الرجل بسبب روئيته لمثل هذا الرجل الصالح.
ويذكرون في ترجمة وكيع ابن الجراح(رحمه الله تعالى),الإمامالحافظ,الذي ما رأى الإمامأحمد على كثرة من رأى من العلماء,يقول: (ما رأيت افقه من وكيع وما رأيت أخشع من وكيع) ، يعني هذا إمام من أئمةالإسلام.
في إحدى المرات جاءه اثنان من الطلبة لأول مرة يرونه,سافرواإليه من اجل أن يسمعوا منه الحديث,فجلسوا في مجلسه,فلما دخل عليهم أخذتهم هيبة عظيمة,واستغربوا من هذا الموقف,فكان احدهم يقول:سبحان الله ما هذا,هذا ملك هذا ملك، من شدة النور الذي يرونه على وجهه.
فإذاً هذه الأمور يا إخوةآثارها مشاهدة ومجربة,وآثار التقصير في الأعمال الصالحة كثيرة لكن يكفينا منها هذه الآثار الست أو السبعة التي ذكرتها.
والإنسانإذا يعمل الأعمال الصالحة لا يعلمها من اجل أن يرزقها الله ﷻالهيبة ويرزقه كذا وكذا, وإنما يعملها لله ﷻفيكرمه الله ﷻبالثواب عليها في الدنيا قبل الآخرة,ومن أنواع هذا الثواب, التوفيق والعون من الله ﷻوالهيبة في قلوب الناس وتيسير له الصالحات الأخرىإلى غير ذلك من الآثار دلالة على قبول هذا العمل الصالح من هذا الإنسان المؤمن.
لكن ذكرت ثلاثة أمثلة أو مثالين من الأمثلة العجيبة يعني الإنسان لا يكاد ينقضي عجبه من هذه الأمثلة:ومنالأموركذلك التي ينبغي عليه مراعاتها الحذر الشديد عند التعامل مع المباحات, التعامل مع المباحات التي يجد الإنسان منها حرجاً هذه المباحات بالذات كما قلنا في المرة الماضية هي برزخ بين الحلال والحرام يعني هي ليست فاصلاً بين الحلال والحرام,فليحذر الإنسان وليتقي ربه ﷻ في هذا الجانب الشديد وبالخصوص ما يشعر بأنَّ فيه شبهة وقد قيل في السلف أنهم كانوا يتركون سبعين باباً من الحلال مخافة الوقوع في باب واحد من أبواب الحرام,فليترك الإنسان بالذات في هذا الزمن الذي انتشرت فيه الشبهات في المأكل والمطعم والمشرب بشكل شديد جداً ,فليتقِ ربه ﷻ في هذا الجانب وبذلك تجد كثيراً من الناس يشتكون من الحرام والوقوع فيه والسبب أنهم ما ربوا في أنفسهم الامتناع عن الحرام، ما ربوا في أنفسهم الامتناع عما في أيدي الناس ، وابن القيم(رحمه الله)ركز على ناحية مهمة وهي قطع العوائد,لا يصح أن يكون الإنسان دائماً قلبه متعلق بعادة منالعادات المباحة يحب الطعام الحب الشديد,ابن القيم (رحمه الله)نبه عن هذه القضية ,لماذا ؟ليعالج الإنسان نفسه ويدربها وأن يكون دائماًممسكا بزمامها فيوقفها متى أراد ويطلقها متى أراد ليس تحريما للحلال,لا,وإنما معالجةً لنفس الإنسان فيوقفها متى أراد ويطلقها متى أراد من هذا الباب يعود الإنسان نفسه على قطع هذه الأمور المعتادة في حياته ، فمثلاً هو معتاد أن ينام ثمان ساعات بل حتى في الأوقات الفضيلة حتى إذا جاءت العشر الأواخر أو أوقات تحتاج إلى همة والى انطلاق قوي لابُدَّ أن ينام كل هذا الوقت فلينام ثمان ساعات ولكن ليعود نفسه أنه ما تحتاج هذا الوقت من النوموهكذا في كل الأشياء المباحة.
إذاً أيها الإخوة التعامل مع المباح لا ينبغي للإنسان أن يكون مطلقا لنفسه العنان,يفعل فيه ما شاء,لا ، ليعود نفسه على أن يستطيع أن يمسكها متى أراد ولذلك تجد الإنسان لا يستطيع أن يقف عند الحرام أصلاً ما عود نفسه على إمساكها ما اعتادت هذه النفس إلا أن تكون دائماً كالفرس الجامي منطلقة في أي مكان تشاء وفي أي وقت تشاء ، من الأموركذلك أن يتفكر الإنسان في الأعمال الصالحة ودورها أولاً في تقريبه من الله ﷻ,وثانياً في بقاء استمرار حياته كما ذكرنا في المرة الماضية أنَّ هذه الأعمال الصالحة أنَّ الإنسان لا يفعلها تكرماً من عنده وإنما لينجو بنفسه ولكي يستطيع أن يواصل دوره في هذه الحياة منطلقا قياماً لدين الله ﷻ أولاً وفي الناس الذين حوله,لأنَّ كل واحد منا له دور سواءً عرفه أو تجاهله أو غفل عنه,فهو مطالب بهذا الدور,فلن يستطيع أن يؤدي هذا الدور إلا إن كانتعنده زاد من التقوى والصلاح.
أمر مهم جداً قضية التوفيق والتي أسميتها في بداية الأمر التوازن، التوفيق بين الطاعات والواجبات التي هو مطالب بها,يجب أن يضع الإنسان لنفسه أولويات وليحدد الأشياء المطلوبة منه والأشياء وليعرف منزلة كل واجب منها,كي يكون عنده ميزان دقيق من فقه الأولويات حتى يتعامل مع هذه النفس,ويأتي بهذا الأمر في وقته وهذا الأمر في وقته وهكذا,إذاً تحديد الواجبات والتوازن بينها أمر مهم جداً,ومعرفة أنَّ الأعمال الصالحة هيمن الواجبات عليك وليس فقط من الواجبات عليك مثلاً عملك وزيارة الناس وكذا وكذا ،لا بل يجب أن يكون للإنسان وقت يتفرغ فيه لله ﷻ.
ومن الأمور المهمة وهي العلاج لكل آفة من الآفات(المجاهدة) هذه الكلمة التي نصدع بها وكدنا أن لا نراها,مسروق بن الأجدع(رحمه الله تعالى)كان يقوم الليل حتى تفتر قدماه فإذا فترت كان يشد عليها ويربِّط عليها وكان يقول: (أيحسب أصحاب محمد ﷺ أن يسابقوننا إلى الجنة).
انظر إلى قوة هذه المجاهدة مع نفسه,يريد أن يصل هذا الرجل إلى مستوى الصحابةرَضِيَ اللّٰهُ عَنْهُمْلذلك كان بعض السلف(رحمهم الله)يوازنون بعض التابعين بالصحابة رَضِيَ اللّٰهُ عَنْهُمْ,حتى كان يقول الواحد منهم: إن يفخر علينا أهل المدينة بعابدهم عبد الله بن عمر رَضِيَ اللّٰهُ عَنْهُ فنحن نفخر عليهم بعابدنا فلان بن فلان.
وهكذا إذاً قوة هذه الهمة وقوة هذه المجاهدة التي أوصلت هؤلاء الناس إلى الحرص أن يكونوا بمنزلة الصحابة رَضِيَ اللّٰهُ عَنْهُمْبالجد والعمل ، كما يقول ابن القيم (رحمه الله): (كيف يريد الفارس الوصول إلى نهاية السباق ولم يشد على فرسه) ، ويقول (رحمه الله): (لولا صبر المضمرات على قلة العلف ما قيل لها سوابق) يعني الخيل المضمرة الخفيفة التي تسابق في السباق لولا صبرها على قلة العلف ما صارت من السوابق وصارت تصل بالميدان أولاً .
لذلك الحقيقة قضية المجاهدة الكلام فيها يطول لكن يفتش الإنسان فيها على كلام ابن القيم (رحمه الله) في هذا الأمر المهم وأظنه في مدارج السالكين, وفيها كلام طيب وفيها كلام عظيم جداً ولم يصلح الإنسان إلا إذا جاهد نفسه.
يعني لا يمكن الإنسان أيها الإخوة أن يربي نفسه على خصلة من خصال الخير بدون مجاهدة,ولا يمكن أن يستخرج الإنسان شيئاً من وساوسالشيطاننزغاته من قلبهإلا إذا جاهد نفسه على استخراج هذه الخصلة,لا يمكن أن تأتي النفسوتقول إني أريد أن أصبح من اللذين يقومون الليل وتقولنفسك لك حاضر أنا مطيعة، لا يمكن أن يقع هذا,حتى أقل الأشياء إذا أردت أن تداوم عليها من الصالحاتنفسك تنقاد ربما أسبوع ، أسبوعين ، شهر ، شهرين ، لكن بعد ذلك تود أن تفند منك ، لذلك كل خصلة خير يريد أن يربيها الإنسان في نفسه وكل خصلة شر يريد أن ينتزعها لابُدَّ أن تكون بهذه المجاهدة,وكما قال النبي ﷺ :(إلا إنَّ سلعة الله غالية,إلا إنَّ سلعة الله الجنة)(14) ،وبحد هذه السلعة يكون السعر فلا يظن الإنسان أنَّه يدخل الجنة بثمن زهيد وسعر بخس,وضرب ابن القيم (رحمه الله)عدة أمثلة على هذه المجاهدة أذكر لكم بعضها,ومن ذلك طلب منا أن يكون الواحد منا كالوردة أول ما تفتح عينيها على الشوك لكن يقول ابن القيم (رحمه الله): (فلتصبر عليها قليلاً ) أي تصبر هذه الورود على مجاورة هذا الشوكقليلاً,(فوحدها بعد قليل سوف تكبر وتُشم) يعني الوردة وحدها سوف تكبر وتُشم لكن إذا صبرت على مجاورة هذا الشوك,ولولا وجود هذا الشوك عندهاما حُميت ولجاء الناس وقطفوها وأهلكوها ،وكذلك الإنسان لولا هذه المجاهدة والمكابدة لايمكن أن يصل إلى ما يرجوه,ويقول (رحمه الله): (إنَّ شجرة الصنوبر تثمر في ثلاثين سنة) هذه الشجرة لا تثمر إلا بعد ثلاثين سنة، (لكن شجرة الدُّباء تصعد في أسبوعين) ,وشجرة الدُّباء تنمو في أسبوعين ، لكن انظروا ماذا يقول (أن شجرة الدباء تقول للصنوبرة)، يقول :(إنَّ الطريق الذي قطعتها في ثلاثين سنة قطعتها في أسبوعين) يعني تتفاخر أنها قطعت هذا الطريق في أسبوعين بينما الصنوبرة في ثلاثين سنة ,ويقال : (أنت شجرة وأنا شجرة) يعني كلنا اسمنا شجر هكذا تقول هذه الدباء للصنوبرة ,فيقول ابن القيم : (قالت لها الصنوبرة (ومرادنا أيها الأخوة حول هذا القول)،قالت لها الصنوبرة:مهلاً حتى تهب رياح الخريف) الرياح العاتية (فإن ثبتِ تم فخرك) إذا ثبتِعندما تهب رياح الخريف عندها يكون لك الفخر وثبتي مثل ثباتي.
إذاً يا الإخوة لا يمكن أن يصل الإنسان إلى ما يسموه ويرجوه بسرعة,إنما لابُدَّ من المجاهدة ولابُدَّمن الصبر على طول الطريق وعلى قلة الرفيق ، وابن القيم في ((الفوائد)) ضرب الكثير من الأمثلة الجميلة من جنس هذه الأمثلة .
كذلك من الأمور المهمة الأخرى (ملازمة الجماعة),ملازمة الأخوة الصالحين وتكلمنا عن هذه القضية وعلى الإنسان أن يحاول دائماً أن ينشئ مع إخوان جواً فيه همم عالية,نركز على هذا المعنى كثيراً في كلامنادائماً، يحاول الإنسان أن ينشئ مع إخوان جواً فيه الهمم العالية ، ويكون الإنسان ضعيفاً إذا كان وحده ، وهكذا كل إنسان منا إذا خلا بنفسه فإنه يضعف ، لكن إذا جلس مع إخوانه فإنه يرتفع بسرعة إخوانه ينتشلونه معهم ، لا يمكن أن يبقى وحده لأنهم سوف يجذبونه وكما قال النبي ﷺ:((خِيَارُكُمُ الَّذِينَ إِذَا رُؤُوا، ذُكِرَ اللَّهُ ﷻ))(15),فليبحث الإنسان عن هؤلاء الذين إذا رآهم ذكر الله ﷻ,ولذلك ورد عن بعض السلف أنهم كانوا إذا وجدوا في قلوبهم قسوة ذهبوا فنظروا إلى بعض الصالحين وجالسوهم,وكان ابن القيم رحمه الله ﷻ إذا حصل في نفسه بعض الضيقوبعض اليأس من كثرة الأعداء ذهب وجلس مع شيخه ابن تيمية رحمهم الله تعالى,فما هي حتى يخرج من عنده وقد جدد هذا الإيمان وانطلق بقوة ليواجه هؤلاء الأعداء .
من الأمور كذلك اتهام النفس كثيراً بالتقصير وعدم الرضا عنها, يكفي هذا العنوان ، أضرب بعض الأمثلة عليه, يقول ابن القيم(رحمه الله تعالى):
فلا تظنــــــــــــــن بربك ظن سوء *** فإن الله أولى بالجميــــــــــــــــــــــل
ولا تظنـــــن بنفسك قط خيرا *** وكيف بظالم جبان جهول
وقل يا نفس مأوى كلِّ سوء*** أيرجى الخير من ميت بخيل
وظن بنفسك السوآى تجدها *** كذاك وخيرها كالمستحيل
ومــــــــا بك من تقى فيها وخير*** فتلك مواهب الرب الجليل
ولـــــــــــيس بها ولا منها ولكـــــــن *** من الرحمن فاشكر للدليل
فالتقوى التي تصيب الإنسان والخير هو من ﷲ ﷻ وليس منها,فاشكر ﷲ ﷻ ويستعين الإنسان كذلك مع اتهام نفسه بالعجز والتقصير دائماً بكثرة اللجوء إلى ﷲ ﷻ والشكوى إليه,ويفعل كما كان يفعل شيخ الإسلام (رحمه ﷲ تعالى) بمنزلته الرفيعة,كان يخرج كثيراًإلى البرية ويذهب ويمرغل وجهه في التراب ويقول : (يا معلم وإبراهيم علمني ويا مفهم سليمان فهمني).
إذاً أيها الإخوة هذا المعنى الذي نستطيع أن نسميه بالافتقار إلى ﷲ والإكثار من الأعمال الصالحة, ولابُدَّ أن اضرب هذا المثال الذي يحدث فيه ابن القيم في ((مدارج السالكين)) يقول :(كان شيخ الإسلام(رحمه ﷲ تعالى) يقول:مَا لِي شَيْءٌ، وَلَا مِنِّي شَيْءٌ، وَلَا فِيَّ شَيْءٌ).هكذا كان يقول شيخ الإسلامابن تيمية ، وكان كثيرا ما يتمثل بهذا البيت:
أَنَا الْمُكَدِّي وَابْنُ الْمُكَدِّي … وَهَكَذَا كَانَ أَبِي وَجَدِّي
وكان إذا أثني عليه في وجهه يقول: (وَﷲِ إِنِّي إِلَى الْآنِ أُجَدِّدُ إِسْلَامِي كُلَّ وَقْتٍ، وَمَا أَسْلَمْتُ بَعْدُ إِسْلَامًا جَيِّدًا).
انظروا أيها الأخوة إلى مثل هذا الكلام الذي يقوله مثل هذا الرجل(رحمه ﷲ تعالى)، وبعدها يقول ابن القيم (رحمه ﷲ) ، وبعث إلي في آخر عمره قاعدة في التفسير بخطه، وعلى ظهرها أبيات بخطه من نظمه
أَنَا الْفَقِيرُ إلى رَبِّ الْبَرِيَّــــــــــــــــــــــــــــــاتِ … أَنَا الْمُسَــــيْكِينُ فِي مَجْمُوعِ حَالَاتِي أَنَا الظَّلُومُ لِنَفْسِي وَهِيَ ظَالِمَتِــــــــــي … وَالْخَيْـــــرُ إِنْ يَأْتِنَـــــــــــــا مِنْ عِنْـــدِهِ يَأْتِي لَا أَسْتَطِيـــــــــعُ لِنَفْسِي جَلْبَ مَنْفَعَةٍ … وَلَا عَنِ النَّفْـــــسِ لِي دَفْعُ الْمَضَـــرَّاتِ وَلَيْسَ لِي دُونَـــــــــــهُ مَوْلًى يُدَبِّرُنِــــــــــي … وَلَا شَفِيعٌ إِذَا حَاطَــــــتْ خَطِيئَــــــــــــاتِي إِلَّا بِإِذْنٍ مِنَ الرَّحْمَــــــــــــنِ خَالِقِـــــــنَا … إلى الشَّفِيعِ كَمَا قَدْ جَاءَ فِي الْآيَـاتِ وَلَسْتُ أَمْلِكُ شَيْـــــــئًـا دُونَــــــــــــــهُ أَبَدًا …وَلَا شَرِيــــــــــــكٌ أَنَا فِي بَعْــــــــضِ ذَرَّاتِ وَلَا ظُهَيْـــــــــــــرٌ لَهُ كَيْ يَسْتَـــعِيـــــــــــنَ بِهِ …كَمَا يَكُـــــــــــونُ لِأَرْبَــــــــــــابِ الْوِلَايَـــــــاتِ وَالْفَقْرُ لِي وَصْفُ ذَاتِ لَازِمٍ أَبَـــــــدًا …كَمَا الْغِنَـــــــــى أَبَـــــدًا وَصْـــــــفٌ لَهُ ذَاتِــي وَهَذِهِ الْحَالُ حَالُ الْخَلْقِ أَجْمَعِهِمْ … وكُلُّـــــــــــــــــــــــــهُــمْ عِنْدَهُ عَبْـــــــدٌ لَهُ آتِـــــــــي فَمَنْ بَغَى مَطْلَبًا مِنْ غَيْـــــــــرِ خَالِقِــهِ … فَهُوَ الْجَهُولُ الظَّلُومُ الْمُشْرِكُ الْعَـاتِي وَالْحَمْدُ لِﷲِ مِلْءَ الْكَوْنِ أَجْمَـــــــعِهِ … مَا كَانَ مِنْهُ وَمَــــــــــــــــــا مِنْ بَعْدُ قَدْ يَاتِي ثم الصلاة على المختار من مضر …خير البريـــــــــــــــــــة من ماضومن آتِ
وهي قصيدة بليغة وجدت في القاعة التي مات فيها (رحمه ﷲ)وقد كتبها على جدار هذه القاعة بالفحم لأنه في آخر حياته(رحمه ﷲ) اخرجوا من عنده الأقلام والأوراق فكتب هذه الأبيات بالفحم على جدار هذه القاعة (رحمه ﷲ)وهذا معنى بليغ يا أخوة,الإنسان إذا تفرغ وخلا بنفسه وشكا إلى ربه ﷻوأحس بمقدار نفسه الإحساس الصحيح,فإنه ينقذف في نفسه من معاني الخير والتقوى والصلاح ما لا يعلمه إلا ﷲ ﷻ.
ومما يُذكر في ترجمة أبي محمد ابن أبي زيد القيرواني (رحمه ﷲ)وهو إمامحافظ شيخ المالكية ، وكان أحد أئمة أهل السنة والجماعة, في وقته أنه مرة زاره بعض الصالحين وجلس عنده وتحادثا طويلاً ثم لما أراد هذا الرجل الصالح أن يخرج من عند أبي محمد قال له:يا أبا محمد أدعو لنا, يقول : فاستعبر أبو محمد(رحمه ﷲ)– يعني نزلت دمعات من عينه- قال: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إليه يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾[فاطر: ١٠] ،يقول : فهبني دعوتي لك , فأين عملاًصالحاً يرفع هذا الدعاء؟.
قضية أنَّهذه الدنيا موطن وسوق للتجارة, وأنَّ الإنسان منها متزود وأنه لن يتوقف عندها يعني لا تكن نظرتنا كنظرة الصوفية ذنب دائم لهذه الدنيا ، لا ، هذه الدنيا سوق رائد بالحسنات (خيركم من طال عمره وحسن عمله) ، يقول ابن القيم: (وغداً يكون الحصاد, وقد ضاقت أيام الموسم, فأسرعوا بالإبللا تفتكم الوقفة. لا تحد وما لك بعير. لا تمد القوس وما لها وتر كم بذل)،يعني أسرعوا بالأعمال الصالحة.
ويقول (رحمه ﷲ) : (رأت فارة جملاً فأعجبها فاقتادته معها-يعني أحبته فأخذته معها-فلما وصلت إلى جحرها وقفت -لأنه لا يمكن أن تدخل الجمل معها في الجحر- يقول: فنادها الجمل بلسان الحال وقال لها:إما أن تتخذي داراً تليق بمحبوبك وإما أن تتخذي محبوباً يليق بدارك, يقول ابن القيم : وهكذا أنت أيها المؤمن إما أن تتخذ رباً يليق بهذه العبادة أو تتخذ عبادة تليق بربك قدر استطاعتك).
هذا هو المطلوب منا أيها الأخوة وهذا الحقيقة مثل لطيف وبديع في طلب إحسان العبادة من الإنسان المؤمن، وأبو حامد الغزالي (رحمه ﷲ وغفر له عسى أن يكون ﷲ ﷻ ختم له بخير) تكلم في ((إحياء علوم الدين)) على حقيقة الدنيا وضرب لها أمثلة جميل ورائعة على إحسان عمل المؤمن في هذه الدنيا وذم هذه الدنيا وكيف يمكن أن يتعامل الإنسان المؤمن معها في المجلد الثالث عندما تكلم عن الدنيا، فلتراجع هذه الأمثلة مع الحذر من مبالغة الصوفية في ذم الدنيا، ومن الأمور التي اذكرها:النظر في سيرة النبي ﷺ وفي حياة السلف.
الإنسان يا الإخوة يستروح ، وبذكر هؤلاء الناس تنزل البركة وتنزل الرحمة كما قال الإمام احمد (رحمه ﷲ):(صفوان بن سليم (رحمه ﷲ) بذكره تنزل الرحمة ) ,فالنظر في سيرة هؤلاء الناس وأولاً سيرة النبي محمد ﷺ, وحاله وجده وعمله في الطاعات وكيف أنه كان يصوم حتى يقال :لا يفطر ،ويفطر حتى يقال: لا يصوم ويقوم يصلي من الليل ، حتى يقال عنهم وعن نبينا ﷺمن إكثارهم من الأعمال الصالحة وكأنهم هم الهالكون ، وكان عمر بن الخطاب رَضِيَ اللّٰهُ عَنْهُ حين تكلم عن نفسه يقول : (لو نادَ منادٍ في أرض المحشر كلكم يدخل الجنة إلا واحداً لظننت أن يكون عمر,ولو نادَ منادٍ في يوم المحشر كلكم في النار إلا واحداً لطننت أن يكون عمر)وذلك من إحسانه للخوف والرجاء.
إذن يا أخوة قراءة هذه الأشياء ، وﷲ الإنسانيرتاحلما يقرأها ، ويجد أنَّ له قدوة وأنَّ له أسوةوأنَّ هذه المعاني التي نتكلم عنها ليست معاني خيالية وإنما سابقنا ناس ونفذوها وهؤلاء الناس كانت لهم صولات وجولات وكانت هناك شياطين ومع ذلك وصلوا إلى أعلى المراتب العالية فليشدون معهم وعلى أقل الأحوال :
فتـــــــــــــشبهوا إن لم تكونوا مثلهم…إنَّ التشبــــــــــــه بالكرام فـــــــــلاحُ
ولا يكون حالنا كما قال الأول :
لا تعرضن بذكرهم مع ذكرنا…ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد
لا ، الإنسان يحاول أن يعرض لهم ، وأن يتفكر في أحوالهم ، وأن يحاول أن يأتسيَ بمثل هذه الأحوال ولعلها مثل الرياض ، الإنسان يتوقف فيها ، وتنشطه بالإقبال على الأعمال الصالحة ، وما ذكرناه كفاية أسأل ﷲ ﷻ أن يرزقنا الانتفاع في ديننا والفقه في نفوسنا وصلى ﷲ على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم.